أسلحة أميركية في المدار... عن الأسطورة وتسليح الفضاء
حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأسيس قوّة فضائيّة في ولايته الأولى، أبدى رائد الفضاء الأسبق الذي هبط على القمر باز ألدرين حماسة لافتة. أعاد تعديل جملة زميله نيل أرمسترونغ ليقول: "إنها قفزة عملاقة في الاتجاه الصحيح".
يوم الاثنين، شكّل كلام وزير القوات الجوية الأميركية تروي مينك ضجة كبيرة، بالرغم من أن الأسباب الموجبة للدهشة ضعيفة. قلّة اعتقدت أن التنافس الفضائي سيبقى سياسياً لفترة طويلة. ربما كان "تسليح" الفضاء مسألة وقت وحسب.
الصين "لن تقف مكتوفة الأيدي"
ذكر مينك أن بلاده وضعت "أسلحة للسيطرة على المجال الفضائي" (space control weapons) في المدار، لكنه أبقى نوعها وتوقيت العملية وارتفاعها طيّ الكتمان. والهدف كما قال ردع الأعداء وتحقيق الهيمنة في الفضاء ومواجهة التهديدات بسرعة.

وزير القوات الجوية الأميركي تروي مينك، 2025 (أ ب)
عارضت الصين أي "سباق أسلحة في الفضاء الخارجي"، ودعت واشنطن إلى "التوقف عن الاستعداد لحرب" فيه. وأصدر الكرملين موقفاً مشابهاً. ربما تأخرت دعوتهما، على افتراض أنهما لم يستعدّا عملياً لحرب في الفضاء. ذكرت "واشنطن بوست" أن السلاح يمكّن القوات الأميركية من إسقاط قمر اصطناعي لأحد الأعداء، إذا استُهدف الجيش أو قمر اصطناعي أميركي. ليس بالضرورة أن يكون هذا السلاح صاروخاً – وبعض القادة العسكريين الأميركيين يعارضون فكرة استهداف الأقمار الاصطناعية – بل مجرّد مركبة لصدم قمر آخر. في هذه الحالة، لدى الصين قدرة على إرسال مركبة إلى أحد المدارات لضرب الأقمار أو إخراجها عن مدارها. وبإمكان الأسلحة أن تكون غير حركية (non-kinetic) مثل أجهزة الليزر والتشويش التي تؤثّر على عمل الأقمار الاصطناعية.
مع ذلك، لا تلغي الأسلحة غير الحركية فكرة سباق التسلّح الفضائي. في تصريح لوكالة "فرانس برس"، قال المدرّب العسكري السابق للجيش الصيني سونغ جونغبينغ إن الصين لم تتفاجأ بالإعلان، لكنها "لن تقف مكتوفة الأيدي". وحمّل واشنطن مسؤولية دفع بكين إلى إرسال أسلحتها الخاصة نحو الفضاء في المستقبل.

وإذا كانت البيانات قوة، وهي كذلك، فمراكز جمع البيانات لدى القوى الكبرى ستّتجه تدريجياً إلى الفضاء، بشكل جزئيّ، لتجنب آثار الحروب على الأرض. يبدو أن هذا التجنب قد يكون لفترة موقتة إذا انطلق سباق الفضاء بشكل محموم. ستدخل الحوسبة إلى المدارات، ومعها معالجة أسرع لجزء من البيانات في الفضاء، بدلاً من نقلها كلها إلى الأرض. يساهم ذلك في سرعة اتخاذ القرار مع قيود أقل في مجال تسخير الطاقة. مراكز البيانات الفضائية قد تصبح أيضاً أهدافاً حربية إذا لم تجد الدول أرضية قانونية مشتركة لحمايتها من الحروب.
تسليح الفضاء... ما علاقة الأسطورة اليونانية؟
تحظر "معاهدة الفضاء الخارجي" (1967) وضع أسلحة نووية وأسلحة دمار شامل في الفضاء. لكنها لا تذكر شيئاً عن الأسلحة التقليدية. بصرف النظر عن هذه الثغرة، تؤكد المعاهدة نفسها أن تسليح الفضاء فكرة قديمة جداً... ومغرية جداً. فضرب الأقمار الاصطناعية العسكرية يعني تدمير سلسلة شبه كاملة من القيادة والتحكم على الأرض.

صورة لمشروع القبة الذهبية الدفاعية التي عرضها الرئيس دونالد ترامب سنة 2025. (أ ب)
المشكلة الآن هي أن التكنولوجيا قادرة على تسريع هذه الفكرة. يريد ترامب إنشاء مشروع "القبة الذهبية" (بكلفة ستفوق على الأرجح تريليون دولار) من أجل اعتراض الصواريخ، من بينها تلك "التي تُطلق من الفضاء". يعتقد البعض أن هذه التكنولوجيا غير متوفرة حتى الآن. لكن وجود الفكرة نفسها كافٍ للتلميح إلى مخاطر السباق الفضائي. يُرجع البعض جذور تطور الذكاء الاصطناعي إلى المرة الأولى التي فكّر فيها اليونانيون القدماء بشخصيّة "طالوس"، وهي عملاق برونزي يشبه الإنسان هدفه حماية كريت من الأعداء. بالنسبة إلى بلوغ مرحلة الذكاء الاصطناعي، مرّت الـ 2700 عام على تلك الأسطورة، بسرعة كبيرة. أما تسليح الفضاء فقد يسير بسرعة أكبر.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.