PunchNewswatch marks Giwa’s 40th death anniversary with bookESPN DeportesBrewers viene de atrás, gana y barre a DodgersThe Jerusalem PostIDF releases Sinwar letter encouraging Oct. 7 terrorists to plan broadcast of massacre footageESPNMaxey: Healthy Embiid 'changes everything' for SixersInquirerBIR updates 2010 tax rules on shared drug discounts for seniors20 MinutenBald zahlst du in Deutschland fast 11 Franken für ZigarettenUOLCidade de São Paulo entra em estado de atenção para alagamentoCNN TürkSÜRÜCÜLER DİKKAT! HGS'de sistem değiştiDaily MaverickEroding purchasing power deepens pressures on ordinary South Africansהידעןלב שסטוב: הפילוסוף שמרד בשלטון התבונהVarietyNawazuddin Siddiqui to Star as Delhi Street Detective in ‘Kabootar’ (EXCLUSIVE)ZDF heuteEntdecken Sie das ZDF-Nachrichtenstudio
The Daily Newsstand · Free, Always
Friday, October 16, 2026

الزيتون وزيته: بين المقدّس والرمزي

Translate

في كل قطرة زيت زيتون تسيل من معصرة قروية، تختزلُ آلافُ السنين من القداسة والرمز والذاكرة. ليست هذه الشجرة مجرّد محصول زراعي، بل هي نصٌّ مفتوحٌ كتبته الأديان، وتناقلته الجدّات، وتوّجته الحضارات تاجاً أخضرَ لا يذبل.

شجرةٌ أقسمت بها السماء

في القرآن الكريم، لا تُقسم السماءُ بكثيرٍ من الأشجار، لكنها أقسمت بالزيتون: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (سورة التين، الآية 1). وفي سورة النور، يصبح زيتُ الزيتون استعارةً للنور الإلهي ذاته: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ (سورة النور، الآية 35). إنها شجرةٌ "لا شرقية ولا غربية"، أي تتجاوز الجغرافيا لتنتمي إلى المطلق. وفي الحديث النبوي الشريف دعوةٌ صريحة... عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "كلوا الزيت، وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة" (رواه الترمذي).

أما في العهد القديم، فتعود الحمامة إلى سيدنا نوح بغصن زيتون في منقارها، معلنةً نهاية الطوفان وبداية عهدٍ جديد بين السماء والأرض. وفي سفر الخروج، يُوصف زيت الزيتون بأنه الوقود الوحيد لشمعدان الهيكل، "نوراً دائماً أمام الرب". وفي التوراة أيضاً، يُدهن الملوك والأنبياء بزيت الزيتون المقدس، فيصبح "المسيح" حرفياً "الممسوح بالزيت".

وفي الأناجيل، يختار يسوع بستان الزيتون مسرحاً لآخر صلواته قبل الصلب، وكأن الشجرةَ تشاركه ألمَ الفداء، بعدما كانت أغصانُ الزيتون رمزه الأبرز حين دخل أورشليم. واليوم، كما الأمس، الزيت "دامة" المسيحي حين يصوم الأربعين.

وربما تلتقي الأديان في جامع الزيتونة بتونس، إذ يقول مؤرخون إنه بُني على أنقاض كنيسة قديمة كانت تضم رفات القديسة "سانت أوليفا" (Sainte Olivia)، واسمها يعني "الزيتونة"، فيما يروي مؤرخون آخرون إن الفاتحين المسلمين وصلوا إلى مكان الجامع فوجدوا شجرة زيتون وحيدة، فاستأنسوا بها وقالوا "إنها لتؤنس هذه الخضراء"، فسمي مسجد الزيتونة وسميت تونس الخضراء تيمناً بها.

الزيتون يرمز إلى الخلود، لأن أشجاره المعمّرة في فلسطين ولبنان تتجاوز أعمارُها ألفي عام، شاهدةً على تعاقب الإمبراطوريات وهي ثابتةٌ في تربتها

حين يدهن الجدُّ جبينَ الحفيد بالزيت

بعيداً عن النصوص المقدسة، نسجت الذاكرة الشعبية حول الزيتون والزيت نسيجاً من المعتقدات التي لا تقلُّ قداسةً في وجدان الناس. في قرى لبنان وفلسطين وسوريا، كانت المرأة الحامل تضع غصن زيتون تحت وسادتها لتقي جنينها من العين. وفي طقوس الولادة، يُدهن المولود بزيت الزيتون البكر، في إيماءةٍ تقول: "أنت الآن محميٌّ ببركة الأرض".

وفي التراث اليوناني القديم، كانت أثينا تُهدى شجرةَ الزيتون من الإلهة أثينا نفسها، فتغدو الشجرةُ أثمنَ من الذهب. وفي روما، كان الفائزون في الألعاب الأولمبية يُتوَّجون بإكليل من أغصان الزيتون البري. أما في المعتقدات الأمازيغية بشمال أفريقيا، فشجرة الزيتون العتيقة تُعامل ككائنٍ حيٍّ له روح، لا يُقطع منها غصن إلا بعد استئذان صامت.

وفي البيوت الشامية واللبنانية القديمة، كان "زيت السنة الجديدة" يُحفظ في قارورة زجاجية، لا يُستخدم للطبخ، بل للتبرّك والدواء. قطرةٌ في الأذن تسكن الوجع، وقطرةٌ على الجبين للشفاء من الحزن، وقطرةٌ على عتبة الباب لصدّ الأذى. الزيت هنا ليس غذاءً... إنه طقسٌ سحريٌّ مُقنَّع.

من غصن السلام إلى أيقونة الخلود

رمزياً، يحتل الزيتون موقعاً لا ينازعه فيه نباتٌ آخر. غصنُ الزيتون هو الرمز الأممي للسلام، من الأمم المتحدة إلى شعارات حركات التحرر. والبومةُ الحاملة غصنَ الزيتون تحوّلت إلى أيقونةٍ للحكمة عند الإغريق، ثم للسلام عند المعاصرين.

ألم يحمل ياسر عرفات غصن زيتون بيدٍ وبندقية بأخرى على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 13 تشرينَ الثاني/نوفمبر 1974، قائلاً عبارته الشهيرة: "جئتُ حاملاً غصنَ الزيتونِ وبندقيةَ الثائر، فلا تُسقطوا الغصنَ الأخضرَ من يدي"؟

إلا أن الرمزية تتجاوز السلام: الزيتون يرمز إلى الخلود، لأن أشجاره المعمّرة في فلسطين ولبنان تتجاوز أعمارُها ألفي عام، شاهدةً على تعاقب الإمبراطوريات وهي ثابتةٌ في تربتها. ويرمز إلى الخصوبة والتجدّد، لأنه لا يموت بالقطع، بل يُنبت من جذعه فروعاً جديدة. ويرمز إلى النور، لأن زيته كان وقود المصابيح في المعابد والكنائس والمساجد لقرون.

حتى في الفن والأدب، من لوحات فان غوغ التي رسم فيها أشجار الزيتون ككائنات متلوّية تتضرّع إلى السماء، إلى قصائد محمود درويش التي جعلت من زيتونة فلسطين استعارةً للصمود والهوية، تبقى هذه الشجرة أيقونةً تتجدد دلالاتها ولا تنضب.

في النهاية، حين يمدّ الفلاح اللبناني يده المعروقة ليقطف ثمرة زيتون في تشرين، فإنه لا يجمع محصولاً فحسب... إنه يعيد إنتاجَ طقسٍ عمره من عمر البشرية: طقسٌ يقول إن الأرضَ تُبارك، وإن الزيتَ نورٌ، وإن الشجرةَ التي أقسمت بها السماء لا تزال تُثمر في كلّ خريفٍ وعداً جديداً.

View the original on النهار →

KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.