الطائف: يُستكمَل ولا يُعاد تفصيله على مقاس البندقية
في 22 تشرين الأول/أكتوبر 1989، أقرّ نحو ستين نائباً لبنانياً في الطائف وثيقة أنهت حرباً عاشت أطول من أسبابها. لم يكن الطائف ثمرة توافق، بل ثمرة إنهاك، وُلد في ظل اختلال فادح في موازين القوة، وتحت قبضة سورية ثقيلة.
كان هيكلاً نُصبت من حوله الدولة المنشودة، لكن الجدران لم تُبنَ، ولم يصر الهيكل بيتاً.
بعد سبعة وثلاثين عاماً، يدعو المقرّبون من "حزب الله" إلى هدم الهيكل ونصب آخر تحت السلاح. وهذه وصفة لحرب أهلية أبدية. فالسلاح الذي يسند هذا المطلب يفقد مبرّر وجوده يوماً بعد يوم: لم يعد يردع إسرائيل، ولا يجرّ إلا الخراب. وبعدما حظرت الحكومة نشاطه العسكري وتآكل رصيده السياسي، تجري محاولة لتحويله إلى حقّ نقض دائم يملكه طرف واحد على الحقوق التمثيلية لسائر الأطراف.
لم يكن الطائف قسمة مقاعد، بل فدرالية غير معلنة: فدرالية مكوّنات لا فدرالية أقاليم. فالمناصفة بين المسيحيين والمسلمين جسّدت الروح التعاقدية لميثاق 1943 قبل أن تجسّد روح الطائف، وكانت ضمانة مقصودة ضد الإقصاء والاستفراد بالقرار السيادي. لذا، ليس الحديث عن "التمثيل الديموغرافي" تعديلاً تقنياً، بل هو نسف لروح التوافق الكامنة في صلب الدستور اللبناني.
والمفارقة أن أكثر ما يُوصف اليوم بأنه "عتيق" في الطائف هو بالضبط ما منع النظام السوري تطبيقه:
• مجلس الشيوخ لتكريس تمثيل المكوّنات.
• الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية تمهيدا لدولة المواطنة.
• اللامركزية الإدارية الموسّعة.
• حصرية السلاح بيد الدولة.
لم يُجرَّب الطائف ففشل، بل تُرك نهباً للرياح الإقليمية.
بلى، للطائف عيوبه، ولا سيما ما طبّقته الوصاية انتقائياً. لكن العلاج إكمال البناء لا هدمه: برلمان خارج القيد الطائفي، ومجلس شيوخ يعكس مصالح المكوّنات ويضمن شراكتها.
هكذا تنتقل الديموغرافيا إلى المجلس النيابي، وتنتقل الضمانة إلى مجلس الشيوخ، ولا يُطالَب أي مكوّن بمقايضة أمنه بسلم أهلي ملغوم.
شرط هذا الإصلاح أن يأتي بعد احتكار الدولة للسلاح لا قبله. فكل تعديل فُرض على العقد اللبناني فرضه من يمسك البندقية: دمشق في عام 1990، ثم الدوحة بعد السابع من أيار/مايو 2008. والإصلاح قبل نزع السلاح ليس إصلاحاً، بل فدية مؤقتة. فالأزمة أزمة التزام لا أزمة نصوص، ولا يحلّها إلا تسلسل للضمانات الأمنية والسياسية يُربط به التنفيذ الدستوري.
من هنا الترتيب: حصرية السلاح أولاً، ثم لامركزية تتعمّق تدريجياً نحو بنية فدرالية معلنة أو مبطّنة، ثم حياد مكرّس دولياً. الحياد قبل نزع السلاح وهم، واللامركزية قبله تقسيم مقنّع. أما نزعه مع أفق سياسي ضامن فهو طريق السيادة.
ليست الفدرالية انقلاباً على الطائف، بل وفاء لروحه. وقد تجنّبت دول الوصاية الإفصاح عن هذه الروح، خشية أن تجعل من لبنان مثالاً تعددياً متحرراً من منطق الحرب والاستبداد. المطلوب إذاً نقل سيادة الدولة وحقوق المكوّنات من العرف إلى الدستور والمؤسسات، نحو وحدة تُدار بالشراكة لا بالغلبة. فالطريق يمرّ عبر الطائف لا حوله: لامركزية إدارية، فمالية، فبنية فدرالية دستورية يحرسها مجلس الشيوخ.
الوقت لا يعمل لصالح لبنان. فالنافذة التاريخية تنغلق سريعاً، ولا يدوم السلم الأهلي ولا حياد الدولة إلا بوحدة وطنية معزّزة دستورياً.
حفظ تعددية لبنان الثقافية والدينية مصلحة استراتيجية للإقليم كله. فقد كان لبنان مطبعة العرب وصحافتهم وجامعتهم وملاذهم وجسرهم إلى العالم. وحين انحسر حضوره، ملأت الميليشيا والدولة الأمنية والإمارة الجهادية الفراغ. وقد آن للبنان والإقليم أن يخرجا من عهود تكتبها البنادق.
ليس السؤال: هل سيتغيّر الطائف؟ سيتغيّر حتما. السؤال: هل يكتب اللبنانيون عقدهم الوطني المقبل قبل رفع السلاح عن عنقهم أم بعده؟
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.