تسرّب نفطي في مياه الخليج: بقعة سوداء تُهدّد الحياة البحرية
في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلنت وزارة التغيّر المناخي والبيئة الإماراتية رصد تسرّب نفطي من ناقلة بحرية، بعدما كشف نظام المراقبة والتقييم البيئي عن تلوّث امتدت آثاره إلى شواطئ إمارة أم القيوين، شمال دبي. وأكدت الوزارة مباشرة فرق متخصّصة عمليات الاحتواء والعزل والتنظيف والمعالجة، بالتنسيق مع الجهات الاتحادية والمحلية، وإغلاق شواطئ أم القيوين ومناطقها الساحلية مؤقتاً.
وتزامن الإعلان مع شكاوى سكان في عدد من الإمارات الشمالية من روائح نفاذة تشبه رائحة الوقود. ورغم تأكيد الوزارة أن الروائح المرصودة لا تشكّل خطراً صحياً على السكان، دعت مستخدمي البحر والصيادين إلى الابتعاد عن المناطق المتأثرة والالتزام بالتعليمات الرسمية.
من ناقلة متضرّرة إلى بقعة تمتد 160 كيلومتراً مربعاً
تشير التحليلات البحرية إلى أن مصدر التسرّب هو على الأرجح ناقلة النفط الخام "جيم رقم 2" (Gem No.2)، التي ترفع علم بنما وتعرّضت لضربة بمقذوف مجهول في 9 تشرين الأول/أكتوبر، ما أدى إلى اندلاع حريق على متنها، قبل إنقاذ طاقمها المؤلف من 22 بحّاراً هندياً.

صورة أرشيفية لصبي يركض على الشاطئ لقرب سفينة جنحت في أم القيوين بالإمارات. (رويترز)
تتسع مساحة البقعة النفطية بنحو 160 كيلومتراً مربعاً، استناداً إلى صور التقطت يومي 19 و21 تشرين الأول، فيما أظهر تحقيق هيئة الإذاعة البريطانية أن التلوث امتد أكثر من 35 كيلومتراً بعيداً من الناقلة بحلول 21 تشرين الأول، "لكنّ مساحة البقعة لا تكشف وحدها كمية النفط المتسرّب، فربما تكون الطبقة النفطية رقيقة في مناطق وسميكة في أخرى. ولذلك لا يمكن تحويل المساحة المرصودة إلى عدد من البراميل من دون بيانات إضافية عن سماكة النفط وخصائصه"، بحسب ما قال جون بورث، أستاذ علوم الأحياء في جامعة نيويورك ابوظبي، لـ "النهار"، مستشهداً باتساع الإجراءات الاحترازية بإعلان رأس الخيمة إغلاق شواطئها حتى إشعار آخر، بعد إغلاق شواطئ أم القيوين ومنطقة الحمرية في الشارقة.
تنوّع بيولوجي في دائرة الخطر
يلفت بورث إلى أن أخطر ما في التسرب هو اقتراب مسار التلوّث من منظومة بيئية تُعدّ من أغنى مناطق الإمارات بالتنوع الحيوي: جزر السينية وخور البيضاء، قبالة أم القيوين، والتي تُصنَّف موقعاً عالمياً مهماً للتنوع البيولوجي، وتضم غابات القرم، والمسطحات الطينية، ومروج الأعشاب البحرية، والسبخات المالحة، ومواطن المحار والشعاب المرجانية، "وتكتسب هذه الموائل أهمية مزدوجة، فهي مناطق حضانة طبيعية لصغار الأسماك والقشريات، ومخازن للكربون الأزرق، فضلاً عن كونها مناطق غذاء وتكاثر لأنواع بحرية وطيور مهدّدة". وبحسب قاعدة بيانات المناطق الرئيسية للتنوع البيولوجي، تضم المنطقة نحو 70 كيلومتراً مربعاً من موائل الكربون الأزرق، بينها 10 كيلومترات مربعة من أشجار القرم و9 كيلومترات مربعة من الأعشاب البحرية، وفق البيانات المرجعية المستخدمة في تقييم الموقع.
تزداد المخاوف بسبب وجود السلاحف الخضراء وأسماك القرش والشفنينيات المهددة بالانقراض، ومنها سمكة الغيتار الحلاوية (Halavi Guitarfish)، المصنفة ضمن الأنواع المهددة بخطر انقراض بالغ.
كيف يقتل النفط الحياة البحرية؟
يجيب بورث لـ "النهار" الجواب عن هذه السؤال بالقول: "على سطح الماء، يلتصق النفط بريش الطيور البحرية، فيفقده خاصية مقاومة الماء والعزل الحراري، ويعيق حركة السلاحف ويؤدي إلى ابتلاعها مواد نفطية أو فرائس ملوّثة. تحت السطح، تنتقل مركبات هيدروكربونية سامة إلى المياه، مسببة اضطرابات في النمو والتنفس والتكاثر لدى الأسماك واللافقاريات البحرية. وتُعد بيوض الأسماك ويرقاتها أكثر حساسية من الأفراد البالغة، وفق الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي".
مساحة البقعة لا تكشف وحدها كمية النفط المتسرّب، فربما تكون الطبقة النفطية رقيقة في مناطق وسميكة في أخرى
ويضيف: "يبرز الخطر الأكبر عند وصول النفط إلى البيئات الضحلة. ففي غابات القرم، يمكن أن يغطي النفط الجذور الهوائية ويؤثر في وظائف النبات، بينما قد تتعرض الأعشاب البحرية للكائنات والملوّثات المصاحبة للنفط، ما يضعف دورها باعتبارها مناطق تغذية وحضانة".
هل يصل التسرّب إلى مياه الشرب؟
لا يقتصر التهديد على الحياة البحرية، إذ قد يطال أيضاً إحدى أهم البنى التحتية الاستراتيجية لدول الخليج: محطات تحلية مياه البحر. فقد حذرت شركة المعلومات البحرية Windward، استناداً إلى نماذج حركة التيارات، من احتمال انتقال التلوث نحو موانئ ومآخذ مياه محطات التحلية في الشارقة وعجمان.
وفي تقرير صادر في 22 تشرين الأول، توقعت الشركة احتمال اقتراب النفط من منشآت تحلية في الشارقة بحلول 24 تشرين الأول، مع التأكيد أن المحاكاة لا تحتسب أثر عمليات التنظيف أو إيقاف مصدر التسرّب.
يعلق بورث على هذا الموضوع قائلاً: "تكمن المخاطر التقنية في إمكان دخول مشتقات نفطية إلى مآخذ مياه البحر، ما قد يستدعي تشديد المراقبة، أو تعديل أنظمة المعالجة الأولية، أو إيقاف بعض المآخذ احترازياً إذا تجاوز التلوث الحدود التشغيلية الآمنة. ولا تعني هذه السيناريوات أن مياه الشرب في الإمارات قد تلوّثت بالفعل؛ فلا تتوافر في التقارير المراجَعة نتائج رسمية تثبت وصول النفط إلى شبكة مياه الشرب أو توقف محطة تحلية بسببه. لكنّ الاحتمال يوضح كيف تتحوّل بقعة نفطية بحرية إلى قضية أمن مائي. فحماية المآخذ لا تقل أهمية عن حماية الشواطئ، خصوصاً أن النفط المشتت داخل عمود الماء قد يكون أصعب رصداً من الطبقة الطافية".
ماذا يحدث للنفط بعد اختفاء البقعة؟
تبدأ المكوّنات الخفيفة من النفط بالتبخر بعد التسرّب، بينما تنتشر المكوّنات الأخرى بفعل التيارات والأمواج، وقد تتحول إلى مستحلبات كثيفة تتكوّن من النفط والماء. وتوضح المنظمة الدولية المعنية بالاستجابة لتلوّث البحار بالنفط (ITOPF) أن المستحلبات قد ترفع حجم المادة الملوّثة إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف، ما يعقّد جمعها ويزيد مدة بقائها في البيئة.
وفي المراحل اللاحقة، تدخل عمليات الأكسدة والتحلّل البيولوجي والترسّب، وقد تنتهي بعض المكونات في الرمال والرواسب الساحلية. ولذلك فإن اختفاء المظهر الزيتي من سطح البحر لا يُعدّ دليلاً كافياً على انتهاء التلوّث. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الخليج، حيث تحدّ الطبيعة شبه المغلقة للحوض البحري من تبادل المياه مع المحيط المفتوح. ويقول بورث لـ "النهار" إن بقايا النفط قد تستمر في الرواسب والموائل الحساسة حتى بعد إزالة التلوّث المرئي، ما يستدعي مراقبة بيئية تتجاوز مرحلة الاستجابة الطارئة.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.