اقتصاد الأسوار العالية... صمود يحمي النظام ويُنهك الإيرانيين؟
وسط تهاوي قيمة العملة وارتفاع تكاليف المعيشة، يجد الاقتصاد الإيراني نفسه محاصراً بين استراتيجية "الاقتصاد المقاوم" التي تتبناها الدولة، والضغوط الأميركية المتزايدة لعزل طهران مالياً وتجارياً. وتطرح الأزمة تساؤلات عن قدرة النظام على مواصلة التكيّف مع العقوبات، وحدود استعداد القيادة لتحمّل تدهور الأوضاع المعيشية حفاظاً على خياراتها السياسية والأمنية.
وتعكس أحدث المؤشرات اتساع الضغوط، إذ تراجعت واردات الصين من النفط الإيراني إلى نحو 590 ألف برميل يومياً في أيلول/سبتمبر 2026، وهو أدنى مستوى منذ كانون الثاني/يناير 2023، وفق بيانات شركة "كبلر" التي نقلتها "رويترز". وفي 8 تشرين الأول/أكتوبر، فرضت واشنطن عقوبات جديدة شملت 17 سفينة ضمن شبكات نقل النفط والمنتجات البترولية الإيرانية.
الاقتصاد المقاوم بين البقاء وكلفة الانهيار
يرى باحث القانون الدولي في معهد الحوار للأبحاث والدراسات كامل البوشوكة، في حديث لـ"النهار"، أن "الاقتصاد المقاوم" بدأ استجابة قسرية للعقوبات، قبل أن يتحول تدريجياً إلى خيار استراتيجي راسخ داخل المؤسسات الثورية، وفي مقدمها الحرس الثوري.
ويشير إلى وجود تباين خفي في الأولويات بين الحكومة الإيرانية ووزاراتها، التي تسعى إلى انفتاح اقتصادي يحسّن معيشة المواطنين، والمؤسسات المرتبطة بمراكز القرار الثوري، وفي مقدمها "الحرس الثوري"، التي تمنح أمن النظام واستقلالية قراره الأولوية على اعتبارات النمو والرفاه.
ويوضح أن قدرة إيران على الالتفاف على العقوبات الأميركية عبر شبكات الوسطاء والأسواق الآسيوية "ساعدتها على تفادي الانهيار السريع"، لكنها "أخفقت في توفير بيئة استثمارية سليمة". ومع تراجع إيرادات النفط وتصاعد أسعار السلع الأساسية والأدوية، تتفاقم الضغوط على المواطنين.
ويؤكد البوشوكة أن القيادة الإيرانية "لا تختار الانهيار المعيشي هدفاً، لكنها مستعدة لتحمّل كلفته إذا كان البديل تقديم تنازلات سياسية وأمنية تمس جوهر نفوذها". ويحذّر من أن قدرة المجتمع على التحمّل "محدودة"، مستشهداً بالاحتجاجات التي بدأت في كانون الأول/ديسمبر 2025 واتسعت خلال كانون الثاني 2026، وأظهرت قابلية الغضب المعيشي للتحول إلى تحدٍّ سياسي وأمني يهدد استقرار السلطة.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند، 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (أ ف ب)
العقوبات الأميركية واستنزاف الطرفين
من جهته، يوضح الصحافي عامر ملاعب لـ"النهار" أن حملة "الضغط الأقصى" الأميركية ألحقت خسائر مالية ضخمة بطهران، وعطّلت عشرات مليارات الدولارات من إيراداتها، لكنها أخفقت في تحقيق التغيير السياسي المنشود.
ويشير إلى أن "العقوبات دفعت الاقتصاد الإيراني إلى تطوير آليات للتكيّف مع الحصار، من خلال قنوات تجارية ومالية بديلة، فيما تجد الولايات المتحدة نفسها أمام استنزاف استراتيجي مستمر لملاحقة شبكة دولية معقدة، تشمل ناقلات النفط الموازية وشركات الواجهة في الصين وهونغ كونغ، وصولاً إلى منصات الأصول الرقمية".
ويلفت ملاعب إلى أن تكيّف طهران مع العقوبات، واعتمادها المتزايد على عملات بديلة من الدولار ونظام المقايضة، يقلّصان تدريجياً الفاعلية الإضافية لبعض القيود، فيما تستمر العقوبات في إضعاف الاقتصاد الإيراني وخفض كفاءته.
ويخلص إلى أن الصراع يتمحور حيال قدرة العقوبات على تغيير حسابات النظام الإيراني، والمدة التي تستطيع خلالها طهران مواصلة التكيّف مع بيئة الحصار.
الأسوار العالية... درع للنظام أم سجن للاقتصاد؟
في المقابل، يرى المتخصص في الشؤون الإقليمية والدولية أحمد الأعرجي أن القيادة الإيرانية "توازن بين كلفتين، اقتصادية واجتماعية مرتفعة تقبل بتحمّلها، وأمنية وسياسية تعتقد أنها أشد خطراً على بقائها".
ويوضح لـ"النهار" أن "الاقتصاد المقاوم" يمنح النظام، في المدى القصير، قدرة على مواجهة الضغوط الخارجية وتقليص فاعلية العقوبات، لكنه يحذّر من "التشوهات التي تنتج من استمرار هذه السياسة، وفي مقدمها ضعف العملة، والتضخم المرتفع، وتراجع فرص الاستثمار".
وتتعمق هذه المعضلة مع استمرار تدهور القدرة الشرائية للمواطنين واتساع الفجوة بين متطلبات الأمن الاقتصادي وأولويات المؤسسات السياسية والعسكرية.
ويختتم الأعرجي حديثه بالتساؤل عن مستقبل سياسة "الأسوار العالية"، ومدى قدرتها على حماية الدولة تحت الحصار، واحتمال تحولها تدريجياً إلى سجن اقتصادي يخنق فرص النمو ويضاعف الأعباء على المجتمع.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.