وزراء خارجية مجموعة العشرين في أتلانتا.. حروب العالم تطغى على الأجندة الاقتصادية

بدأ اجتماع وزراء خارجية مجموعة العشرين في مدينة أتلانتا الأميركية بجدل دبلوماسي انتهى بإلغاء الصورة الجماعية، واختتم بصدور بيان عن الرئاسة الأميركية بدلاً من بيان مشترك، في انعكاس للانقسامات بين القوى الكبرى بشأن الحروب والأزمات الدولية.
وإذا كانت الخلافات الروسية الأوروبية قد طغت على مشهدي الافتتاح والاختتام، فإن التباينات تجاوزت هذا المحور لتشمل ملفات أخرى، لا سيما تلك المرتبطة بالتنافس بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، الولايات المتحدة والصين.
وعقد وزراء خارجية المجموعة اجتماعهم يومي 30 و31 أكتوبر في أتلانتا، على وقع استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا، وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، واحتمال استئناف الضربات الأميركية ضد إيران، فضلاً عن التنافس الاقتصادي والاستراتيجي بين واشنطن وبكين.
وكانت مشاركة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف من أبرز مصادر التوتر منذ بداية الاجتماع، بعدما أبدت وفود أوروبية تحفظات على التقاط صورة جماعية بمشاركته، ما دفع الرئاسة الأميركية إلى إلغاء الصورة التقليدية للوزراء، تجنباً لتحويلها إلى مصدر "تشتيت للانتباه"، بحسب تعبير مسؤول أميركي.
ولم تقتصر الانقسامات على الجوانب البروتوكولية، بل امتدت إلى المناقشات السياسية، خصوصاً بشأن الحرب في أوكرانيا، في ظل استمرار التباعد بين المواقف الروسية والغربية حيال سبل إنهائها.
التحديات الدولية
وفي مؤتمره الصحافي الختامي، أقر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بصعوبة التوصل إلى إجماع بشأن التحديات الدولية، وقال إن "العقبة الأولى أمام أي تقدم تتمثل في تحديد المشكلات التي نواجهها"، مضيفاً أنه "إذا لم نتمكن حتى من الاتفاق على ماهية هذه المشكلات، فلن نستطيع إحراز أي تقدم".
وأوضح أن ما أظهره الاجتماع على مدى يوم ونصف اليوم هو إقرار بأهمية قضايا المعادن الحيوية وسلاسل الإمداد وحرية الملاحة والأمن الغذائي، باعتبارها تحديات تستدعي اهتمام جميع الدول، وإن استمرت الخلافات بشأن أسبابها وسبل معالجتها.
ولم يخف روبيو حجم التباينات، قائلاً إنه لا يستطيع الادعاء بأن الدول باتت قريبة من التوصل إلى حلول تحظى بقبول عالمي لهذه المشكلات، لكنه أشار إلى وجود تعاون بين عدد من دول المجموعة، خصوصاً في مجالي سلاسل الإمداد والمعادن الحيوية.
وكانت الخلافات قد ظهرت حتى قبل انطلاق الاجتماع، مع قرار الولايات المتحدة عدم دعوة جنوب إفريقيا، رغم عضويتها في مجموعة العشرين، على خلفية التوترات السياسية بين واشنطن وبريتوريا.
وفي المقابل، دعت واشنطن بولندا للمشاركة بصفة "ضيف"، وأعلنت دعمها لانضمامها عضواً دائماً إلى المجموعة، في خطوة عارضتها موسكو.
وانتقد لافروف التوجه الأميركي، معتبراً أنه يتعارض مع مبدأ التوافق الذي يحكم عمل المجموعة، ومشككاً في مبررات منح بولندا عضوية دائمة.
أما الشرق الأوسط، فحضر في المناقشات من بوابة التداعيات الاقتصادية والأمنية للحروب والتوترات الإقليمية، لا سيما انعكاساتها على أسواق الطاقة والملاحة الدولية.
وكان لافتاً أن البيان الصادر عن الرئاسة الأميركية أشار صراحة إلى مضيق هرمز وباب المندب، في ظل المخاوف من اتساع نطاق المواجهات العسكرية وتأثيرها على حركة التجارة العالمية وإمدادات النفط والغاز.
وشدد البيان على ضرورة ضمان تدفقات آمنة ومستقرة وغير منقطعة للطاقة، وحماية الملاحة والمرور عبر الممرات المائية الدولية، فضلاً عن حماية البنية التحتية الحيوية.
حرية الملاحة
وفي مؤتمره الصحافي، خصص روبيو جانباً من حديثه لحرية الملاحة، متهماً النظام الإيراني باستهداف السفن التجارية بصورة علنية، واستخدام الهجمات عليها أداة من أدوات سياسة الدولة.
وقال إن القيادة المركزية الأميركية "CENTCOM" بذلت جهوداً استثنائية لحماية حركة الملاحة، مشيراً إلى أن القوات الأميركية اضطرت إلى الدفاع عن السفن في مواجهة الطائرات المسيرة والصواريخ بصورة شبه يومية.
ولفت إلى أن التهديدات لم تعد تقتصر على مضيق هرمز، بل امتدت إلى باب المندب، محذراً من التداعيات الاقتصادية لهذه الهجمات، لا سيما على أمن الطاقة والغذاء.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة في ظل استمرار التوتر بين واشنطن وطهران، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية جديدة لاستئناف المفاوضات، واحتمال العودة إلى الخيار العسكري في حال فشلها.
وعلى هامش الاجتماع، التقى روبيو وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، وبحث معه التطورات في إيران والسودان واليمن، إلى جانب تعزيز التعاون الثنائي.
كما وقع الجانبان اتفاقاً ينظم المشاركة الأميركية في معرض "إكسبو 2030" بالرياض.
والتقى روبيو أيضاً نظيره التركي هاكان فيدان، حيث بحثا العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون الدولي لتحقيق الاستقرار الإقليمي، قبيل قمة قادة مجموعة العشرين المرتقبة في ديسمبر.
التنافس مع الصين
وبالطبع حضرت الصين بقوة في الاجتماع وفي المؤتمر الصحافي الختامي لروبيو، في ظل التنافس الاقتصادي والاستراتيجي المتواصل بين واشنطن وبكين.
فقد شكلت سلاسل الإمداد والمعادن الحيوية وأمن طرق التجارة الدولية محاور أساسية للمناقشات، وهي ملفات تقع في صلب المنافسة بين أكبر اقتصادين في العالم.
وتطرق روبيو إلى الصين في سياق الحديث عن القيود التجارية والممارسات الاقتصادية، مشيراً إلى المخاوف المرتبطة باستخدام التجارة وسلاسل الإمداد أدوات للضغط على دول أخرى.
كما عقد اجتماعاً مع وزراء خارجية اليابان والهند وأستراليا، الدول الشريكة للولايات المتحدة في الحوار الأمني الرباعي، لمناقشة التحديات الاستراتيجية وأمن سلاسل الإمداد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ورغم محاولة واشنطن إعادة مجموعة العشرين إلى مهمتها الاقتصادية الأساسية، عبر التركيز على أمن الطاقة والنمو الاقتصادي وسلاسل الإمداد، فإن الانقسامات السياسية حالت دون صدور بيان مشترك يعكس توافق جميع الدول الأعضاء.
واكتفت الرئاسة الأميركية بإصدار بيان تناول أمن الطاقة ومرونة سلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية، من دون أن يشكل موقفاً جماعياً بشأن الحروب والأزمات الدولية.
وهكذا، انتهى اجتماع أتلانتا من دون اختراق سياسي في الملفات الأكثر تعقيداً، وفي لحظة يترقب فيها الشرق الأوسط، بحذر، احتمال تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، إذا أخفقت المساعي الدبلوماسية في تجنيب المنطقة جولة جديدة من الحرب.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.