كيف صمد "الحرس الثوري" تحت أطنان من القنابل؟
من الأبحاث العسكرية النفسية المثيرة للاهتمام، دراسة للجيش الأميركي في خريف 1944 نسفت فكرة اعتياد الجندي على القصف، بمرور الوقت. ومما ذكرته الدراسة تحت عنوان: "الوقاية من خسارة القوة القتالية من جراء الاضطرابات النفسية"، ما يلي:
"مفتاح فهم المشكلة النفسية هو الواقع البسيط أن خطر التعرض للقتل أو التشويه يفرض ضغطاً عظيماً إلى درجة يتسبب بانهيار الرجال. لا وجود لشيء مثل ‘الاعتياد على القتال‘... بالتالي إن الخسائر النفسية هي حتمية تماماً كجروح الأعيرة النارية والشظايا في الحروب".
السؤال اليوم، أقله بناء على هذه الدراسة، هو كيف تمكن الجنود الإيرانيون من الصمود تحت وابل القصف الأميركي والإسرائيلي خلال حرب الأربعين يوماً؟
عدد القنابل... كافٍ أم غير كافٍ
في 30 آذار/مارس 2026، أي بعد شهر على بداية الحرب، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة وإسرائيل ضربتا نحو 13 ألف هدف في إيران. كان ذلك قبل نحو أسبوع من نهاية الحرب المتواصلة في 7 نيسان/أبريل 2026. أفضل تكهّن عن الأهداف المستهدفة في إيران قد يوصل العدد إلى نحو 16 ألفاً، على قاعدة احتساب معدل الضربات الأسبوعي وإضافته إلى الحصيلة المعلنة. مع ذلك، ثمة صعوبة في معرفة عدد الغارات التي تلقاها كل هدف على حدة.

قال الجيش الإسرائيلي إنه ألقى 18 ألف قنبلة على إيران لضرب أكثر من 4 آلاف هدف. وهذا يعني افتراضاً، بناء على عدد إجمالي الأهداف المحتملة، أن الولايات المتحدة ألقت نحو 4 أمثال هذا الرقم من القنابل. إذاً في أفضل الأحوال المتطرفة، اقترب مجموع عدد القنابل/الصواريخ الملقاة على إيران من 100 ألف.
الرقم مبالغ به لغرض تسهيل الحسابات ذهنياً. لكن حتى لو كان صحيحاً، يبقى أنه غير كافٍ لإرهاق الجنود إلى حد استنزاف كفاءتهم الذهنية. تلقى نظام سلوبودان ميلوسيفيتش أكثر من 23 ألف قنبلة "أطلسية" سنة 1999 (على مدى 78 يوماً) وجيش صدام حسين نحو 29 ألف قنبلة سنة 2003، خلال ثلاثة أسابيع سبقت انهياره. ومع احتساب الذخائر الصغيرة والعنقودية، يتخطى الرقم عتبة الـ 250 ألفاً. بالنسبة إلى صربيا، كان هناك تهديد بغزو بري مما أدى إلى استسلام ميلوسيفيتش، وفي حالة العراق، حدث الغزو البري فعلاً.
الصدمة... مع الحرب البرية؟
عملياً، وجدت الدراسة المذكورة أنه بشكل عام، لم يبلغ الجندي الأميركي حالة من اللاكفاءة القتالية بسبب الإرهاق النفسي قبل 200 يوم تقريباً من القتال المتراكم في الحرب العالمية الثانية. ووجدت دراسة تعقيبية أخرى صدرت سنة 1946 أن ذروة كفاءته بدأت بالانخفاض عموماً بعد 90 يوماً من القتال المتراكم. بالتالي، وعلى الرغم من شدة القصف، لم يخض الجنود الإيرانيون الحرب لفترة طويلة، والأهم، أنهم لم يخوضوا قتالاً ميدانياً حقيقياً. فقد كان جزء منهم مختبئاً في المدن المحصّنة، بانتظار اللحظة الآمنة لإطلاق الصواريخ.

عمليات إنفاذ الحصار البحري على إيران. (سنتكوم/أ ف ب)
بعبارة أخرى، لم يواجه الجنود الإيرانيون المخاطر نفسها التي يتكبدها الجندي في الحروب البرية التي تشمل، إضافة إلى القنابل الجوية، خطر آلاف الرصاصات المتجهة نحوه. خلال الإنزال على النورماندي، قتل جندي ألماني برشاشه أكثر من ألفي جندي أميركي... في اليوم الأول فقط. هذا يعني أن بيئة الحروب البرية تفرض على الجنود توتراً مستداماً بفعل آلية "القتال أو الهروب" (fight or flight) والمسؤولة عن الصدمات النفسية إذا استمرّت مفعّلة على المدى الطويل. ما يؤكد هذا المنحى أن أرقام القتلى من الجنود الإيرانيين ضئيلة جداً بالمقارنة مع عدد الأهداف التي تم ضربها.
أبلغت إيران عن مقتل نحو 3500 شخص بين مدني وعسكري في الحرب الأخيرة. حتى لو كان الرقم أعلى، حيث وضعت التقديرات الإسرائيلية عدد قتلى "الحرس الثوري" عند أكثر من 6 آلاف في منتصف الحرب، تظلّ هذه الخسائر أقل بكثير من عتبة شلّ المنظمة التي يصل تعدادها إلى ما يفوق 150 ألف عنصر، وهذا من دون ذكر عدد عناصر "الباسيج" التابعة له. ونظرياً على الأقل، يبدو أن الحرس الثوري لم يجد أيضاً مشكلة كبيرة في المداورة التي تخفف من الإرهاق.

عناصر من الحرس الثوري (أ ب)
في نهاية المطاف، استهدفت أميركا وإسرائيل مراكز النظام العسكرية أكثر من استهداف عناصر النظام. يبدو هذا منطقياً بالنسبة إلى حملة تهدف، في جوهرها، إلى إضعاف قدرات إيران النووية والصاروخية. لكنه بالتأكيد لم يكن منطقياً لكلام من قبيل: "إلى شعب إيران العظيم... حين ننتهي ستكون الحكومة جاهزة لكي تتسلموها".
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.