من يقف خلف هذه الظاهرة؟
لم يعد ظهور العرّافين في الإعلام مجرد مساحة للترفيه أو إثارة الفضول، بل أصبح ظاهرة تستحق التوقف عندها، خصوصاً مع تكرار توقعات تتحدث عن حروب واضطرابات وتظاهرات تهز دولاً أوروبية.
السؤال هنا ليس ما إذا كان بعض توقعاتهم قد تشابه مع أحداث لاحقة، بل من يصنع شهرتهم، ومن يعيد تسويق كلامهم، ومن يستفيد من تحويل مخاوف الشعوب إلى مادة تتصدر الشاشات والمنصات؟
هل نحن أمام أشخاص يبحثون عن الشهرة والأرباح، أم أمام منظومة إعلامية تستثمر في القلق وتضخيم التوقعات؟ وهل تكفي عودة مقطع قديم إلى التداول بعد وقوع حدث مشابه لاعتباره نبوءة، أم أننا أمام انتقاء لما تحقق وتجاهل لما أخفق؟
لا يوجد دليل كافٍ للجزم بوجود جهة خفية تدير هؤلاء جميعاً، لكن ذلك لا يمنع طرح الأسئلة والتحقيق في المصالح المحيطة بهذه الظاهرة، خصوصاً عندما تُستخدم هذه الخطابات لتأجيج الخوف أو التحريض على الفوضى وزعزعة الاستقرار.
وفي هذا السياق، يُتداول حديث عن تحرك مرتقب في ألمانيا، مع دعوات موجهة إلى المهاجرين للمشاركة فيه. وهنا تبرز أسئلة مهمة: من يقف خلف هذه الدعوات؟ وما أهدافه الحقيقية؟ وهل توجد أدلة على التحريض على الفوضى، أم أن الأمر يتعلق باحتجاجات ذات مطالب اجتماعية؟ إن التحقق من مصادر هذه الدعوات ضرورة، وعدم الانجرار وراء تحركات مجهولة أمر مهم، خصوصاً أن الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة أزمات معقدة لا تقتصر على أوروبا وحدها.
أما ما شهدته فرنسا من احتجاجات رافقتها أعمال عنف ونهب وتخريب، فلا ينبغي اختزاله برواية واحدة. فمن الضروري التمييز بين المطالب الشعبية المشروعة وأعمال التخريب، والتحقيق في الجهات أو الأفراد المسؤولين عنها، بدلًا من افتراض وجود مخطط لتدمير الدولة من دون أدلة تثبته.
وفي ألمانيا أيضاً، يستثمر بعض الجهات السياسية في المخاوف المرتبطة بالهجرة، ويقدم المهاجرين أحياناً كأنهم سبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وتتحول الدعوات إلى الحد من الهجرة أو إعادة المهاجرين إلى بلدانهم إلى محور في الخطابات الانتخابية، رغم أن مشكلات الأسعار والسكن والخدمات والأمن تحتاج إلى معالجة أسبابها الفعلية، وليس اختزالها بفئة واحدة من السكان.
فحين تتحول التظاهرات والاضطرابات الأوروبية إلى مادة للتوقعات، ويُعاد ربط الأحداث بكلام العرّافين، يصبح من الضروري التساؤل عمّن يروّج لهذه الروايات ولماذا؟ هل الهدف مجرد جذب المشاهدات وتحقيق الأرباح، أم أن بعض الجهات يستغل القلق الشعبي لتحقيق مكاسب سياسية أو دفع المجتمعات نحو الانقسام؟
ويبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام نبوءات تسبق الأحداث، أم أمام صناعة تستثمر في الأزمات وتغذّي الخوف، وربما تستغل الفوضى لخدمة مصالح معينة؟
الإجابة لا تكون بالتخمين أو إطلاق الاتهامات، بل بالتحقيق وكشف المصادر وتتبع المصالح، لأن الحقيقة لا تظهر بمجرد تشابه التوقعات مع الأحداث، بل بالأدلة التي تثبت ما وراءها.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.