ثلاثة رجال... البحث عن وظيفة جديدة للجهادية الإسلامية: من يركب على من، الحمار أم صاحبه؟
رغم مطالبة ترامب في أيار/مايو 2025، بمغادرة الجهاديين الأجانب لسوريا، بمن فيهم المقاتلون المرتبطون بالقاعدة، تحدث توم براك بعد أيام أن كثيرين منهم "مخلصون جداً" للحكومة الجديدة. ثم في منتدى أنطاليا 2026 طالب براك بمسار تفاوضي مع "حزب الله"، وأشاد برفض تركيا تصنيف "حماس" منظمة إرهابية.
في خلفية مسرح الشرق الأوسط، تصل إلى نهايتها تلك الرقصة التي يؤديها ثلاثة رجال – بتريوس وباول وبراك - في "واحدة من أكثر التحولات السياسية إثارة في تاريخ المنطقة الحديث" هكذا وصفها الجنرال بتريويس في منصة كونكودريا 2025.
تأتي هذه الرقصة تكريساً عملياً لرؤية يتقاسمها الرجال الثلاثة. إذ لا يجمع ديفيد بتريوس وجوناثان باول وتوم براك مخطط منسق، ولا غرفة عمليات مشتركة، ولا مؤامرة تُحاك في الظل. ما يجمعهم أبسط وأدهى: قناعة بإمكان انتقال الإسلام الجهادي المسلح من خانة العدو إلى خانة الوكيل الشريك الاستراتجي، ليمنحوه فضاءً سياسياً وسوقاً ينتعش بها.
لكلٍّ من هؤلاء الثلاثة نحوه الخاص في هذه الرقصة: بتريوس يتقن شق صفوف العدو من منطق مكافحة التمرد. باول يدير لعبة توجيه الوسيط ومحاورته، وبراك يدير الصفقات، ليعطيها تسعيرتها في السوق الإقليمية والدولية.
نلتقي رؤية هؤلاء الثلاثة في أن الشرق الأوسط ليس جديراً بشيء سوى الدولة الدينية. لكن، ما لا يدركه الثلاثة في سياق هذه الجدلية، حقيقة أن السيادة تنتقل بصمت من الأصيل إلى الوكيل الجهادي، ليصير نداً، ويصير الأصيل رهناً بحاجته لوظيفته.
في أكروبات الشرق الأوسط، لا تنتهي اللعبة كما تشتهي السفن! فلا هي انتهت كما اشتهت سايكس بيكو، ولا في يالطا ولا بعد حرب السويس، ولا بعد عاصفة الصحراء.
بالنسبة للجهادية الأصولية، صارت اللعبة لعبة البحث عن كفيل في انتظار التمكين ولو بعد حين، ليعود الصراع الممتد على مر القرن الماضي بين الدولة الوطنية ومنطق عصبيات الرعاع والقبائل والعشائر والجهاديين.
لم يدعُ بتريوس يوماً لاستمالة "جبهة النصرة" تنظيماً، بل دعا لشقها ولفرز أولئك يمكن أن يلتحقوا "بالحصان الأقوى" لا عن عقيدة، بل منطق علاقات القوة.
في حينه اشترط بتريوس أمران: معارضة معتدلة قوية، وضغطاً عسكرياً لا يلين على المتطرفين جميعاً.
لكن سرعان ما سقط الشرطان وتضخمت العقيدة وبدأت الأداة تصير طرفاً مقرراً، ليصير انحرافها مخاتلة وتمكيناً!
من جهته، يشكل جوناثان باول الطرف الأعمق والأهدأ في هذا الثلاثي، فيما تصفه مجلة "المجلة" بأنه الـ"Fixer" "العراب" الأول لبريطانيا. فبعد أن يشق بتريوس الصفوف، يروض باول العقائد والجهاديين، ليشتق سلطته من علاقته بالدولة البريطانية العميقة وليس من المنصب المعلن، ومستنداً إلى تجربته في إيرلندا ودور "جمعيته الخيرية" المرموقة، ليطير إلى أعشاش يعجز عنها غيره.
فيما يعتقد باول بإمكان نقل تجربة إيرلندا لتوظيف الجهاديين في إعادة تشكيل المنطقة، تشهد وقائع الشرق الأوسط أنه هيهات أن ينجح. فما نجح مع حركة قومية في دولة ديموقراطية راسخة، لها ضامن سيادي في لندن، لن ينجح مع الجهادية الإسلامية المحرومة من أي حوكمة داخلية وأي حَكَم خارجي ملزم، والتي تختصر اللعبة كلها في لعبة التمكين.
ورصيد باول الحقيقي لم يعد محصوراً بهذا الخندق بل يروج عبر المفاوضات مع طهران لنسختهم الإيرانية عند ويتكوف.
إنها مهمة لتأميم الجهادية الإسلامية، بنفوذ بريطاني ولسان أميركي. مهّد باول الأرض، لكنه لم يضبط الإيقاع.
بعد الحرب على إيران ورغم الشرخ البريطاني الأميركي، نجا باول من تحولات السياسة البريطانية، ليعود للواجهة وينتقل إلى جانب بيرنهام، في ورشة الترميم المحتدمة في نيويورك للجهادية المتمكنة في طهران. وليؤكد ترامب بعدها أن العلاقات مع بريطانيا صارت أفضل.
لكن واشنطن بدورها لم تعد تستسيغ أولئك الراقصين الذين يلتصقون بها، فيما يحتفظون بقنواتها النشطة مع خصومها.
أمام عقدة إيران، تستنفذ هذه الرقصة وظيفتها ومغزاها في الإقليم. إذ ترى طهران أن الغرب تعلم لعبة ترويض الجهادية الإسلامية، لكنه صار يطبقها بالمقلوب على حساب طهران، ليقطع الطريق على ميلشياتها الولائية.
أما توم براك فيبدو أكثرهم طموحاً وتناقضاً. في عرفه، لا وجود لنظام شرق أوسطي! فإن هي إلا قبائل وقرى متخاصمة أبداً، "ودول صنيعة الهندسة الأوروبية في سايكس–بيكو". بل إنه لا يرى أن عصبية الدولة الوطنية في الشرق الأوسط يمكن أن تقوم إلا على عصبية عقائدية، وليس على وعد بحياة مشتركة أفضل لأبنائها، ضمن معايير الدولة الليبرالية.
والآن يفرك الجهاديون الإسلاميون أيديهم بحماس فيما يحتدم المزاد على وظائفهم الجديدة، في لبنان أو اليمن أو ليبيا أو الحرب الروسية الأوكرانية، ليمنح بتريوس الرخصة الفكرية، ويصوغ باول النحو الديبلوماسي، ويكتب براك العقد؛ لكنهم جميعاً لا يملكون مفاتح البيت الذي يبنوه.
إنها بلطجة للبيع: في أكتوبر تحدثت "رويترز" و"أكسيوس" عن وظيفة برواتب مغرية للفرقة 84 في سوريا من الأجانب المقربين للقاعدة في اليمن. وفي شباط/ فبراير 2026 اعتقل الجيش الإسرائيلي قيادياً من الجماعة الإسلامية جنوب لبنان. -"قوات الفجر".
لكن هذه الرقصة الثلاثية تعاني الآن من شقوق عديدة: أولها قلق كبير يمتد من بكين إلى موسكو. تحدثت Modern Diplomacy مؤخراً عن قلق الاستخبارات الصينية من نقل خبرة الحوثيين للحزب التركستاني الإيغوري في حرب العصابات البحرية والمسيّرات.
ثانياً، مقاومة إسرئيلية تحتدم في عقر واشنطن. ثالثاً: لا شيء ينزل هذه الشطحات الفكرية على الأرض مثل الزمن والفشل الاقتصادي ليفككها ويذيب اوهامها. فما كان يظنه الثلاثي تبدلا عقائديا سرعان ما يصير مجرد مهلة في زمن التمكين.
في واشنطن قدم اللاعبون الثلاثة في أوراق اعتماد الجهاديين، لكن الوكيل ينفلت من الأصيل، ويرتد لمنطقه الخاص ويهدد بانهيار ذاك العمران الذي بني على رماد.
زرعت باكستان "طالبان" عمقاً استراتيجياً، فحصدت في عقر دارها "طالبان باكستان". ومولت واشنطن "المجاهدين" الأفغان، فورثت "القاعدة، فما كان منها إلا أن رمت فضلاتها وغادرت.... إلخ.
وفيما يتصاعد المزاد على دور إقليمي جديد للجهاديين، يتحول الوكيل أصيلاً، ويبقى السؤال: من يركب على من؟ الحمار أم صاحبه؟!
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.