الهجرة إلى الحرب... لماذا يواصل الإثيوبيون العبور نحو اليمن؟
في الوقت الذي يعبر فيه يمنيون البحر إلى جيبوتي هرباً من القتال، يركب مهاجرون إثيوبيون القوارب في الاتجاه المعاكس، أملاً في الوصول إلى فرص عمل في الخليج. لكن بعض هذه الرحلات ينتهي قبل بلوغ شواطئ اليمن. ففي ليلة 8 إلى 9 تشرين الأول/أكتوبر 2026، انقلب قارب يحمل 305 مهاجرين قرب أوبوك في جيبوتي، مخلفاً 139 قتيلاً على الأقل، بينهم 15 طفلاً، و84 مفقوداً، وفق المنظمة الدولية للهجرة.
تكشف الكارثة حجم المخاطر التي يقبل عليها مهاجرون يعرفون أن الطريق قد ينتهي بالغرق أو الاحتجاز أو الابتزاز. ومع ذلك، يواصل الآلاف رحلاتهم عبر البحر نحو بلد يشهد حرباً متصاعدة، سعياً إلى الوصول إلى دول الخليج. وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، سُجّلت 922 حالة وفاة وفقدان على طريق الهجرة الشرقي خلال عام 2025، مقابل 558 في عام 2024.
وتتداخل في قرار الهجرة عوامل تتعلق بالأمان والعمل والفرص المتاحة وشبكات تهريب البشر. وتستند "النهار" إلى شهادة أكاديمية وأبحاث ميدانية لفهم الأسباب التي تدفع الإثيوبيين إلى المخاطرة بحياتهم للوصول إلى اليمن، رغم معرفتهم بما ينتظرهم على الطريق.
مخاطر البقاء
في حديثها لـ"النهار"، شرحت لورا هاموند، أستاذة دراسات التنمية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن (SOAS)، كيف تتداخل النزاعات وانعدام الأمان الاقتصادي في دفع الإثيوبيين إلى الهجرة، رغم المخاطر التي تنتظرهم.
وتوضح هاموند أن دوافع الرحلات الفردية معقدة ومتعددة، مع وجود ارتباط قوي بين النزاع وانعدام أمن سبل العيش والهجرة. وتستند إلى زيارات أجرتها لإقليم تيغراي منذ انتهاء الحرب الكبرى فيه عام 2022، ونقاشات مع أشخاص تحدثوا عن مغادرة أقاربهم، خصوصاً الشبان والشابات.
وتذكر ضمن المخاطر التي يوازنها المهاجرون التجنيد الإجباري للرجال، والعنف الجنسي الذي يستهدف النساء، والاختناق الاقتصادي المرتبط بإغلاق المصارف وصعوبة الحصول على الوقود والقيود على الاتصالات. وتخلص إلى أنه "حتى عندما يعرفون المخاطر المرتبطة بالهجرة، فإنهم غالباً ما يرون أن مخاطر البقاء في وطنهم أكبر".
وتوضح أن البحث عن دخل يرتبط في كثير من الحالات بالحاجة إلى الأمان. فقد يضطر الشخص إلى مغادرة منزله، بينما تحدد الأموال المتاحة وعلاقاته وتوقعاته وجهته وطريقة سفره. وتكشف هذه الحالات حدود التصنيفات التقليدية التي تميز بين "المهاجر الاقتصادي" و"النازح"، في حين تتداخل الدوافع والظروف التي تحكم قرارات الأفراد.
وقد تتبدل طبيعة الرحلة نفسها. وتضرب هاموند مثال شخص يغادر بحثاً عن عمل أو دراسة، ثم يتعرض للخطف والاحتجاز طلباً لفدية من أسرته. عندها يصبح، بحسب تعبيرها، "مهاجراً قسرياً أثناء العبور"، يواجه مخاطر البقاء والعودة معاً.
وتضيف أنها قادت برنامجاً للبحث والأدلة في القرن الأفريقي ثماني سنوات، ووجد فريقها مراراً أن التصنيفات المعتادة تعجز عن التعبير عن تعقيد دوافع المهاجرين والخيارات المتاحة لهم.
وتدخل شبكات الأقارب والمغتربين ضمن حسابات المهاجرين. فوجود قريب يستطيع توفير مسكن أو وظيفة أو المساعدة في التعامل مع المجتمع الجديد يجعل الوصول هدفاً ملموساً. وتنقل هاموند عن أشخاص قابلهم فريقها استعدادهم لتحمل الأخطار للوصول إلى مكان تستطيع فيه هذه الشبكات مساعدتهم على بناء حياة أفضل.
ورغم أن وجود الأقارب لا يضمن الأمان عند الوصول أو يبدد مخاطر الطريق، فإنه يؤثر في حسابات المهاجرين وتقديرهم لفرص النجاة الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً عندما تغيب الضمانات في بلدانهم.
.jpeg)

مهاجرون إثيوبيون في صحراء جيبوتي بعد تعثر رحلتهم إلى اليمن، 12 نيسان/أبريل 2026. (أ ف ب)
العبور والعمل
تواصلت "النهار" مع مارينا دي ريخت، الباحثة في الأنثروبولوجيا بجامعة أمستردام الحرة، التي أحالتنا إلى أبحاثها المنشورة حول العمالة المنزلية المهاجرة والروابط التاريخية بين اليمن والقرن الأفريقي.
وفي دراسة نشرتها عام 2007، استناداً إلى عمل ميداني أجرته بين عامَي 2003 و2006، وثقت استقبال اليمن مهاجرات وعاملات منزليات من القرن الأفريقي، ما يوضح أن البلد شكّل أيضاً وجهة للعمل والإقامة، إلى جانب دوره ممراً نحو الخليج.
وفي دراسة أخرى نُشرت عام 2010، تناولت مسارات العاملات الإثيوبيات إلى اليمن عبر الأقارب والأصدقاء ووكالات التوظيف والقوارب. وخلصت إلى أن طريقة الدخول والوضع القانوني وحرية الحركة لا ترتبط بعلاقة ثابتة؛ فقد تدخل امرأة بتأشيرة نظامية، ثم تعمل وتقيم بلا وثائق تتيح لها المغادرة بسهولة.
وترى هاموند أن تشديد الحدود قد يحدّ الهجرة إلى درجة ما، فيما يتطلب وقف الرحلات الخطرة معالجة النزاع وغياب الفرص والأمان. فالمعيار الذي يحرك بعض المهاجرين هو مقارنة خطر الرحلة بخطر البقاء. وبالنسبة إلى هؤلاء، يبدأ البحث عن طريق أكثر أماناً بتوفير حياة يمكن احتمالها قبل الوصول إلى شاطئ البحر.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.