توافق مصر وتركيا وقطر في غزة هل ينهار بسبب خلافاتها الإستراتيجية؟
ما لم تحدد واشنطن مبادئ واضحة في شأن "حماس"، فإن تباين الرؤى الإستراتيجية التي تتبناها أنقرة والقاهرة والدوحة تجاه الحركة سيؤدي حتما إلى تآكل التعاون بينها، لا سيما مع دخول عملية التنفيذ مرحلة أكثر صعوبة. كيف تنظر تركيا وقطر ومصر إلى المحادثات مع "حماس"؟ حافظت تركيا بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان على علاقات طويلة الأمد مع الجناح السياسي لـ"حماس"، علما أن حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان يشارك الحركة أيديولوجيتها الإسلامية.
ففي عام 2006 استقبل أردوغان خالد مشعل رئيس الحركة آنذاك في خطوة خالفت الإجماع الدولي على مقاطعة "حماس" إثر فوزها في الانتخابات الفلسطينية التي أجريت عامذاك، وذلك بسبب رفضها نبذ الإرهاب أو الاعتراف بإسرائيل. وفي محطات أخرى على مر السنين استضافت تركيا كبار قادة "حماس" وسمحت للحركة بالعمل على أرضها، وأبقت التواصل الديبلوماسي مع قادتها وقدمت لها دعماً ديبلوماسياً في أوقات الضغط الدولي. في صيف هذا العام اختار خليل الحية، الزعيم الجديد لـ"حماس"، تركيا وجهة لأول زيارة خارجية له، حيث استقبله وزير الخارجية هاكان فيدان. اللافت أن هذه العلاقة الوثيقة، وفق ما يقول باحث بارز في واشنطن، مكّنت أنقرة أيضا من ممارسة نفوذ كبير على "حماس"، كان آخر مظاهره إقناع الحركة بقبول الاتفاقات المتعلقة بغزة. ومع ذلك، لم تصنف تركيا "حماس" قانونا منظمة إرهابية حتى اليوم، بل يصف أردوغان أعضاءها مرارا بأنهم "مناضلون من أجل الحرية"، ويشبّههم بالفصائل القومية التي حاربت من أجل استقلال تركيا في القرن العشرين.
على نحو مماثل، كانت قطر من الدول القليلة التي تحدت وقاطعت "حماس" عام 2006، إذ تعاملت معها على أعلى المستويات الديبلوماسية.
ففي 2012 زار أمير قطر آنذاك الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني غزة والتقى إسماعيل هنية، وكان رئيس الحكومة التي تقودها "حماس"، وأصبح لاحقا زعيماً لها. في العام نفسه بدأت قطر استضافة قيادة "حماس" في الدوحة بطلب من واشنطن بعد طرد الحركة من سوريا. وبين 2018 و2022 نسّقت قطر وإسرائيل تحويل مدفوعات شهرية إلى الحكومة التي تقودها "حماس" في غزة. كان الهدف الحفاظ على عمل المؤسسات الحكومية في القطاع ومنع مزيد من عدم الاستقرار، لكنه عاد بالنفع السياسي على "حماس" ومكّنها من استثمار موارد إضافية في تعزيز قدراتها الإرهابية.
تنظر قطر إلى علاقتها بـ"حماس" على أنها جزء من مساعيها الأوسع للاضطلاع بدور محوري في الوساطة الدولية. غير أن الدوحة تميل إلى تجاوز حدود دورها بوصفها وسيطاً، عبر تبني مواقف ديبلوماسية داعمة للحركة، وغالباً بالشراكة مع تركيا. ودأبت قناة "الجزيرة" القطرية على انتهاج خط مؤيد لـ"حماس".
شهدت العلاقة بين الدوحة والحركة توتراً في بعض الأحيان، منها يوم رفضت إدانة الهجمات الإرهابية الإيرانية على قطر ودول خليجية أخرى، لكنها لم تصل إلى القطيعة. مثل تركيا، ترى الدوحة في العلاقة وسيلة لممارسة نفوذ على "حماس"، ولا سيما في ما يتعلق بالمغادرات السياسية الأميركية مثل التوصل إلى وقف النار في غزة.
في المقابل، ترى القاهرة في "حماس" تهديداً وتتعامل معها بوصفها منظمة إرهابية.
يستند العداء إلى ثلاثة عوامل: أولا، نشأت "حماس" في كنف "الإخوان المسلمين"، الخصم اللدود لحكومات مصرية متعاقبة استمرت علاقتها بها. ثانيا، أفعال وسياسات انتهجتها "حماس" وهددت أمن مصر ولاسيما في حقبة الربيع العربي. ثالثا، الموقف الرسمي للقاهرة القائل بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني. وقصرت يومها مصر تعاملها مع "حماس" على القنوات الاستخبارية. رغم ذلك، لمصر نفوس كبير على الحركة لأسباب عدة، منها دورها المحوري في عملية السلام الإسرائيلية - الفلسطينية، واختراقها الاستخباري الاستثنائي لغزة وعلاقاتها الراسخة مع إسرائيل، إضافة إلى واقع جغرافي يجعل مصر المنفذ الوحيد غير الإسرائيلي لدخول غزة والخروج منها.
أدت هذه الرؤية المتباينة بين حين وآخر إلى صدمات بين أنقرة والدوحة والقاهرة في شأن السياسة تجاه غزة. ورغم هذه الخلافات العميقة في شأن "حماس" لا تزال العلاقات بين الدول الثلاث قائمة، مع استمرار حذر مصر من أيّ خطوات تهمّشها في ملف غزة.
للوسطاء الثلاثة مصلحة مشتركة في نجاح المراحل الأولى من خطة النقاط العشرين التي طرحها الرئيس دونالد ترامب. لكن لكل منهم مصالحه الخاصة. فعدم الاستقرار في غزة يهدد مصر حدوداً وأمنا قومياً. والنجاح في غزة يعزّز شأن قطر بوصفها لاعبا ديبلوماسياً. وتركيا، يعزز النجاح موقعها في الديبلوماسية الإقليمية ولدى الرأي العام العربي. يرى الثلاثة في الخطة الأميركية سبيلاً لتعزيز علاقتهم بواشنطن وإبراز قيمتهم في هذه العلاقة.
ماذا عن الدور الأميركي؟ لا تزال المشاركة الأميركية متقطعة رغم انخراطها في مسارات عمل مختلفة لتنفيذ وقف النار. والانخراط الأعمق لأميركا في ذلك لا غنى عنه، ولا سيما في التعامل مع إسرائيل. واقعياً، أدى تكرار عدم وفاء اسرائيل بالتزاماتها إلى تعزيز موقف "حماس" التفاوضي وتقليص قدرة الوسطاء على الضغط عليها (مصر خصوصا). بعثت إدارة ترامب برسائل متضاربة في شأن دور "حماس". فموقفها الرسمي راسخ في الرباعية ويتوقع تنفيذ كل التزامات "حماس" إخراج السلاح من غزة والقيام بالمثل في الضفة الغربية ونبذ الإرهاب.
أوحت لقاءات جاريد كوشنر بـ"حماس" بوجود مرونة لدى واشنطن، إذ أدرج الحركة في إطار التيار السياسي السائد على المدى البعيد. لتبديد هذه الانطباعات، على إدارة أميركا إعلان موقف واضح يستند إلى مبادئ الرباعية ويحدد شروط قبول "حماس" حزباً سياسياً. وعلى المسؤولين الأميركيين الامتناع عن أي تواصل إضافي مع الحركة إلى أن تستوفي هذه الشروط وأخرى غيرها، وإن يكن ذلك مستبعداً.
تحديد هذا الموقف يساعد الإدارة على الاستعداد للحظات حتمية يمكن أن ينهار فيها التوافق التكتي بين الوسطاء الثلاثة بسبب خلافاتهم الإستراتيجية.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.