استثمارات الذكاء الاصطناعي تحت الاختبار... هل تبرر الأرباح فاتورة مراكز البيانات؟
لا يكفي أن تزداد شعبية الذكاء الاصطناعي حتى يطمئن المستثمرون إلى كل دولار يُنفَق عليه. خلف التطبيقات والمحادثات الآلية، تتسع فاتورة الرقائق والخوادم والمباني والكهرباء، وتحتاج إلى إيرادات مستمرة لتغطيتها وتحقيق عائد مجدٍ. ومع الانتخابات الأميركية، أضيف سؤال سياسي إلى الحساب المالي: هل تصبح إقامة مراكز البيانات أبطأ وأكثر تكلفة؟
لا تعني المخاوف أن الطلب على التقنية انتهى، أو أن الولايات المتحدة تتجه إلى حظر شامل لمراكز البيانات. لكنها تعكس انتقال النقاش من حجم الفرصة إلى شروط تحقيقها: من يتحمل تكلفة البنية التحتية؟ ومتى تتحول الاستثمارات إلى أرباح ونقد؟ وما الذي يحدث إذا تأخر التشغيل أو جاءت الإيرادات دون التوقعات؟
الشكوك سبقت الانتخابات
يقول حسن يحيى، الخبير التكنولوجي اللبناني المقيم في ولاية ماريلاند الأميركية، في حوار مع "النهار": "سبقت الشكوك في شأن عوائد استثمارات الذكاء الاصطناعي الانتخابات، وظهرت في تراجعات سابقة للأسهم وارتفاع تكلفة التأمين على ديون شركات مثل 'أوراكل'".
ويضيف أن القلق تفاقم مع إعلان شركات التكنولوجيا الكبرى، قبل الانتخابات، زيادة إنفاقها على البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، "فالمستثمر لا يراقب نمو المبيعات وحده، بل يقارن الأموال الداخلة بما يخرج لتمويل التوسع".
وتؤيد تحركات سوق الائتمان وجود هذا القلق قبل الاقتراع؛ لقد ارتفعت في تشرين الأول/أكتوبر تكلفة أدوات الحماية من تعثر ديون شركات مرتبطة بالقطاع، بينها "أوراكل". وتعكس هذه الأدوات تسعير المخاطر والتحوط منها، ولا تعني أن التعثر أصبح حتمياً.
ويستشهد يحيى بـ"أمازون" ورد فعل المستثمرين على إنفاقها الأكبر من المتوقع بعد إعلان نتائج الفصل الثالث. لقد تراجع السهم بما يصل إلى 7% في مرحلة من تداولات ما بعد الإغلاق، بعدما أعلنت الشركة نتائجها في 29 تشرين الأول، فيما بلغت النفقات الرأسمالية الفصلية نحو 77.26 مليار دولار.
لم يكن الإنفاق العامل الوحيد في التراجع؛ أثرت أيضاً توقعات الإيرادات وأداء الإعلانات. لكن رد الفعل أظهر أن نمو النشاط لم يعد كافياً لطمأنة الأسواق إذا رافقته زيادة أسرع في الالتزامات الاستثمارية.
التزامات بتريليونات الدولارات
تتضح ضخامة الرهان في العقود المستقبلية. يلفت يحيى إلى أن الشركات الخمس الكبرى في سباق مراكز البيانات، وهي "ألفابت" و"ميتا" و"مايكروسوفت" و"أمازون" و"أوراكل"، لديها التزامات إنفاق تتجاوز ثلاثة تريليونات دولار، تشمل الإيجارات والمشتريات والمباني والطاقة.
الشركات الخمس الكبرى في سباق مراكز البيانات لديها التزامات إنفاق تتجاوز ثلاثة تريليونات دولار - الخبير التكنولوجي حسن يحيى
ويقول يحيى: "لا تزال الأسواق تتساءل عن قدرة هذه الشركات على توليد إيرادات تبرر هذا الإنفاق وتحقق عائداً مناسباً". ويكتسب السؤال أهمية إضافية مع تقادم المعدات واحتمال الحاجة إلى استبدالها قبل استرداد تكلفتها، إلى جانب نفقات التشغيل والصيانة.
يختلف التقادم التقني عن الإهلاك المحاسبي الذي تُوزَّع بموجبه تكلفة الأصل على سنوات استخدامه. وقد يبقى الأصل صالحاً للعمل، لكنه يصبح أقل تنافسية أمام معدات أحدث وأكثر كفاءة.
هل تغيّر الانتخابات قواعد التوسع؟
يرى يحيى أن عاملين تداخلا في تفسير هبوط الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي: سياسي واقتصادي. ويقول: "سياسياً، افترضت الأسواق أن فوز الديمقراطيين سيقود إلى كبح الاستثمارات في مراكز البيانات عبر التصاريح والقوانين. لكن هذه السردية تبدو مبالغاً فيها".
ويستشهد بشمال فرجينيا، ذات الثقل الديمقراطي، التي تضم سوقاً ضخمة لمراكز البيانات، في مقابل إجراءات اتخذها حاكم تكساس الجمهوري المنتهية ولايته غريغ أبوت قبل الانتخابات. وتؤكد بيانات "سي بي آر إي" أن شمال فرجينيا ظلت أكبر سوق في أميركا الشمالية من حيث المخزون من ضمن تصنيف الشركة في النصف الأول من عام 2026.
وفي أيلول/سبتمبر، وجّه أبوت بوقف التصاريح المطلوبة لمراكز البيانات إلى حين استكمال التدقيق المرتبط بالشبكة والموارد. أما الحاكمة الديمقراطية المنتخبة جينا هينوهوسا، فتعهدت بوقف الموافقات الجديدة إلى حين إقرار ضمانات لحماية السكان.
وعليه، قد تعزز النتائج بعض القيود أو تطيل أمدها، لكنها لم تنشئ الاعتراضات من الصفر، كما أن نتائج الانتخابات لا تتحول تلقائياً إلى قواعد نافذة، وستتفاوت الإجراءات بحسب الولايات والسلطات المحلية والجهات التنظيمية.
ويلفت يحيى إلى أن الاعتراضات الشعبية ترتبط في الأغلب باستهلاك مراكز البيانات للكهرباء ورفعها تكلفة المعيشة، لا برفضها من حيث المبدأ. والأدق أن هذه الاعتراضات عابرة للحزبين، مع اختلاف المقاربات في شأن التصاريح والحوافز وشروط التشغيل.
الكهرباء والمعدات تضغطان على العائد
تقدّر وكالة الطاقة الدولية ارتفاع استهلاك مراكز البيانات للكهرباء عالمياً من نحو 485 تيراواط ساعة في عام 2025 إلى 950 تيراواط ساعة في عام 2030. وتبقى الشبكات والمعدات وسلاسل الإمداد قيوداً على سرعة التنفيذ.
وقد يؤجل تأخر الربط الكهربائي بدء الإيرادات، بينما تستمر بعض تكاليف التمويل والتعاقد. وإذا أُلزِمت الشركات بتحمل حصة أكبر من توسعة الشبكات وتأمين المياه، فقد تصبح المشاريع أكثر قبولاً لدى السكان، لكن تكلفتها الاستثمارية سترتفع.
كذلك لا تعيش الخوادم والرقائق لمدة مماثلة كالمبنى نفسه. أوضحت "مايكروسوفت" أن نحو ثلاثة أرباع نفقاتها الرأسمالية في الفصل المنتهي في أيلول تعلقت بأصول قصيرة العمر، تشمل أساساً المعالجات المركزية والرسومية.
لذلك، لا يقتصر الحساب على بناء المركز وتأجير قدرته الحاسوبية وتشغيلها، بل يشمل تكلفة تحديث المعدات وسعر الخدمة ونسبة الاستخدام وقدرة العملاء على الاستمرار في الدفع.
"أنثروبيك"... اختبار آخر لشهية المستثمرين
وتبرز "أنثروبيك" مثالاً على التفاوت بين سرعة نمو الإيرادات والوصول إلى الربحية. فوفق إفصاح معدّل قدمته في 2 تشرين الثاني/نوفمبر استعداداً لطرحها العام الأولي، بلغت إيراداتها الفصلية 16.96 مليار دولار، بزيادة 47% مقارنة بالفصل السابق، ومع ذلك، بقيت الشركة خاسرة، وكانت نسبة نمو إيراداتها أقل من المسجلة في الفصل السابق. ويجعل طرحها المرتقب تقييمها اختباراً لاستعداد المستثمرين لتمويل التوسع في مقابل أرباح مستقبلية، لا إيرادات متنامية وحدها.
وأفصحت الشركة عن التزامات إنفاق تقارب 895.4 مليار دولار، موزعة على سنوات، منها نحو 447.5 ملياراً قبل نهاية عام 2030. وتعتزم تمويل استثماراتها من الإيرادات ورؤوس الأموال التي تجمعها. وهذه التزامات مستقبلية، وليست ديوناً مستحقة فوراً، لكنها توضح حساسية خطط التوسع لاستمرار الطلب وإمكانية الحصول على التمويل.
طلب حقيقي... وربحية تحتاج إلى إثبات
في المقابل، لا تدعم النتائج تصوير القطاع باعتباره إنفاقاً بلا طلب. أعلنت "أمازون" نمو إيرادات "خدمات أمازون ويب" بنحو 39% إلى 46 مليار دولار في الفصل الثالث، وربحاً تشغيلياً للقطاع يبلغ 17.8 مليار دولار. لكن هذه نتائج الحوسبة السحابية كلها، وليست إيرادات الذكاء الاصطناعي وحده، ولا تثبت جدوى كل مشروع جديد.
ويضيف التمويل طبقة أخرى من المخاطر، فالشركة التي تعتمد على الاقتراض تكون أكثر حساسية لتأخير التشغيل وارتفاع معدلات الفائدة من شركة تستطيع تمويل جانب كبير من توسعها من نشاط قائم.
وحذّر صندوق النقد الدولي في تشرين الأول من أن ازدياد المديونية والترابط المالي بين شركات القطاع قد يضخّم أثر خيبة التوقعات، مع بقاء المخاطر الحالية قابلة للإدارة. وتشمل هذه الروابط استثمارات بين الشركات والتزامات بشراء خدمات مستقبلية، ما يجعل جودة الطلب وقدرة المشترين المالية مهمتين بقدر حجم العقود.
قد تنجح التقنية وتخسر بعض المشاريع، وقد تنمو الإيرادات وتتراجع الأسهم إذا كانت أسعارها تفترض أرباحاً أكبر. وسيظهر الفارق بين الشركات في قدرتها على تحويل الطلب إلى نقود، وتحمل التأخير، وتمويل التوسع من دون أن تبتلع تكلفته العائد الذي ينتظره المستثمرون.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.