لبنان أمام تضخم صامت: نستورد أقل وندفع أكثر
في لبنان، لم تعد الضغوط المعيشية تُقاس فقط بارتفاع الأسعار، بل بما تبقى من قدرة المواطن على شراء ما يحتاج إليه. فالمعادلة الاقتصادية الجديدة تبدو واضحة ومقلقة في آن: حجم الاستيراد يتراجع، لكن كلفته ترتفع، فيما تتآكل القدرة الشرائية للأسر.
وتعكس حركة المرافئ جانباً مهماً من هذه الصورة. فقد انخفضت حركة البضائع في مرفأ بيروت بنحو 6.3%، وفي مرفأ طرابلس بأكثر من 32%، في حين ارتفعت قيمة الواردات إلى نحو 10.15 مليارات دولار، بزيادة تقارب 5.6%. وبمعزل عن التفاصيل القطاعية لهذه الأرقام، فإن التباين بين حجم التجارة وقيمتها يطرح سؤالاً أساسياً: ماذا يعني أن يستورد لبنان سلعاً أقل، فيما يدفع مقابلها أكثر؟
الجواب يرتبط بمجموعة من العوامل الخارجية والداخلية، من ارتفاع كلفة النقل والطاقة والتأمين إلى أسعار السلع العالمية، إضافة إلى كلفة التمويل وهوامش التوزيع في السوق المحلية. وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، تنتقل هذه الزيادات في نهاية المطاف إلى المستهلك.
لكن المشكلة لا تتوقف عند ارتفاع الأسعار. الأخطر هو أن هذه الزيادة تأتي في وقت لا تستطيع فيه الأسر اللبنانية مواكبتها من خلال زيادة دخلها. وبالتالي، يتحول التضخم من مجرد ارتفاع في مؤشر الأسعار إلى تراجع فعلي في مستوى المعيشة.
وهنا تكمن خطورة ما يمكن وصفه بـ"التضخم الصامت". الأسعار ترتفع، فيما ينخفض الاستهلاك. فالمواطن لا يشتري أقل لأنه لم يعد بحاجة إلى السلع، بل لأنه لم يعد قادراً على تحمل كلفتها. وهذا يعني أن انخفاض الطلب لا يجب أن يُقرأ تلقائياً على أنه تحسن في الضغوط التضخمية؛ فقد يكون مؤشراً على انكماش القدرة الشرائية.
المواجهة تتطلب الانتقال من معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب. الأولوية يجب أن تكون لخفض كلفة الاستيراد، وتعزيز المنافسة، ومكافحة الاحتكارات، وضبط الممارسات التي ترفع هوامش الربح بصورة غير مبررة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على انسيابية التجارة وعدم تحميل المؤسسات أعباء بيروقراطية إضافية.
كما أن دعم الإنتاج المحلي لم يعد خياراً اقتصادياً ثانوياً. فكل سلعة يستطيع لبنان إنتاجها بكفاءة يمكن أن تساهم في تخفيض فاتورة الاستيراد، وخلق فرص عمل، وزيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد.
ويبقى استقرار سعر الصرف عاملاً حاسماً. فبالنسبة إلى اقتصاد يعتمد على الاستيراد، أي اضطراب نقدي ينعكس سريعاً على أسعار السلع والخدمات. ولذلك فإن حماية القدرة الشرائية تبدأ أيضاً من الحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي.
أما على المستوى الاجتماعي، فلا بد من شبكة أمان أكثر دقة واستهدافاً، تصل إلى الأسر الأكثر حاجة بدلاً من دعم شامل قد يستنزف الموارد العامة ولا يصل بالضرورة إلى مستحقيه.
لبنان اليوم أمام مفترق اقتصادي: إما أن يتحول ارتفاع كلفة الاستيراد وتراجع الاستهلاك إلى حافز لإعادة بناء نموذج اقتصادي أكثر إنتاجية وتنافسية، أو أن يستمر الاقتصاد في دفع كلفة أكبر مقابل قدرة شرائية أقل.
وفي النهاية، لا يُقاس نجاح السياسة الاقتصادية فقط بقدرتها على ضبط الأسعار، بل بقدرتها على حماية قيمة دخل المواطن وقدرته على تأمين احتياجاته الأساسية.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.