تلّة علي الطاهر ووظيفة أكياس الرمل
في الحروب، تُكدّس أكياس الرمل أمام المواقع العسكرية والمباني لامتصاص الضربات والاحتماء خلفها. وفي الحرب الدائرة اليوم بين إسرائيل وحزب الله، تبدو تلّة علي الطاهر وكأنها تحوّلت إلى كيس رمل كبير، يتمترس خلفه أكثر من طرف، كلٌّ لحساباته وروايته.
منذ أسابيع، خرجت التلّة من جغرافيا الجنوب لتدخل قلب السياسة. غارات وقصف إسرائيلي متكرّر على محيطها، وروايات عن منشآت عسكريّة داخلها، وأخرى عن عناصر من حزب الله والحرس الثوري الإيراني محتجزين فيها بعدما ضيّق الجيش الإسرائيلي الخناق على المنطقة. وبين ما هو مؤكّد وما يبقى في دائرة المعلومات المتداولة، بات اسم "علي الطاهر" حاضرًا في النقاش حول الحرب والمفاوضات ومسار المرحلة المقبلة.
بالنسبة إلى حزب الله، تحمل التلّة أهمية تتجاوز قيمتها العسكرية. الحزب الذي أصيبت بنيته العسكرية بضربات قاسية، وخسر قيادات ومواقع وقدرات، ودخل محطة الانهيار العسكري الكبير، يحتاج اليوم إلى صورة يستطيع تسويقها لجمهوره بوصفها صمودًا. بعد كل هذه الهزائم، تصبح المحافظة على تلّة تقدّمًا، ويصبح بقاء عناصر داخلها مادة لإعادة إنتاج سرديّة وهم جديدة. وهنا تحديدًا تكمن المفارقة.
تنظيمٌ بنى على مدى عقود خطاب "توازن الردع" وراكم ترسانة هائلة خارج سلطة الدولة، يجد نفسه اليوم يبحث عن انتصار في عدم سقوط تلّة. بعد كل كلام الوهم عن تغيير المعادلات الإقليمية وعن القوّة التي تمنع إسرائيل من التفكير مرتين قبل مهاجمة لبنان، أصبحت المعادلة أصغر بكثير: هل تدخل إسرائيل علي الطاهر أم لا؟ إنها هزيمة سياسية وعسكريّة هائلة يصعب تغطيتها بالشعارات.
إسرائيل، من جهتها، تستثمر التلّة أيضًا. تضغط حولها، تراقب الحركة، تقصف محيطها وتُبقي مصيرها مفتوحًا. ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، يمكن أن تتحوّل علي الطاهر إلى مادّة إضافية في الحسابات الداخلية، بحيث يمكن تسويق اقتحامها إنجازًا، وتأجيله يبقي التهديد قائمًا والضغط مستمرًا.

مرتفعات علي الطاهر (نبيل اسماعيل).
أما إيران، صاحبة "الاستثمار" في حزب الله وسلاحه، فلها حسابات أخرى. وبحسب الروايات المتداولة عن وجود عناصر إيرانيين داخل التلّة، فإن من مصلحتها إخراجهم منها وتجنّب تحوّلهم إلى أسرى أو ورقة ضغط في يد إسرائيل في حال اقتحامها. كما أن علي الطاهر بالنسبة إليها ليست مجرد تلّة يجب الدفاع عنها حتى النهاية. يمكن أن تكون ورقة يجب الاحتفاظ بها حتى اللحظة المناسبة. فما الذي يمنع أن تصبح تلّة لبنانية جزءًا من بازار أكبر؟ هنا تصبح صورة أكياس الرمل أكثر قسوة. فحزب الله يحتمي خلف التلّة، فيما إيران تقرّر إلى متى يبقى "الكيس" في مكانه، ومتى يصبح رفعه أكثر فائدة من الدفاع عنه.
أما واشنطن، فتحضر خلف المشهد الأكبر. ففي مرحلة تُستكمل فيها المفاوضات بين لبنان وإسرائيل دون تبدّلات كبيرة، يصعب فصل مصير التلّة عن المسار السياسي والأمني الأوسع. متى تتحرّك إسرائيل؟ إلى أي مدى؟ وأين تنتهي العملية العسكريّة وكيف يتقدّم التفاوض؟ أسئلة تجعل علي الطاهر ورقة على طاولة تتجاوز حدودها بكثير.
لكن المشكلة اللبنانية تبقى في مكان آخر... أن تتحوّل تلّة في الجنوب إلى ورقة أكبر من حجمها لأن داخلها، وفق الروايات المتداولة، بنية عسكريّة لا تخضع للدولة اللبنانية، فهذا يُلخّص أصل المأساة. لبنان يتفاوض، إسرائيل تضغط، واشنطن تدير الإيقاع، وإيران تستخدم حزب الله الذي يتمسّك بدوره بما بقي من أوراقه العسكرية.
في الحرب، يسقط كيس الرمل عندما يستنفد وظيفته. أما في لبنان، فالسؤال الأهم ليس متى تسقط علي الطاهر، وإنما كم سيدفع البلد مجددًا ثمن الذين قرّروا الاحتماء خلفها؟ ولماذا تقف الشرعيّة اللبنانية، التي لها حقّ السلطة على كامل الأراضي اللبنانية، عاجزةً عن إزاحة "كيس رمل" على أراضيها؟
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.