رحلت دوللي بارتون… لكنّ مكتبتها ستبقي الحكاية حيّة
رحلت أمس نجمة موسيقى الكانتري الأميركية دوللي بارتون عن عمر ناهز الثمانين عاماً، تاركةً وراءها إرثاً فنياً امتدّ على أكثر من سبعة عقود. غير أنّ إرثها لم يُكتب بالأغنيات وحدها؛ فبعيداً عن المسارح والأضواء، أسّست بارتون مشروعاً وضع ملايين الكتب بين أيدي الأطفال، وحوّل تجربة والدها مع الأمّية إلى واحدة من أوسع مبادرات تشجيع القراءة في العالم.
بدأت الحكاية عام 1995 في مقاطعة سيفير بولاية تينيسي، مسقط رأس بارتون، حين أطلقت "مكتبة الخيال" تكريماً لوالدها الذي لم تتح له فرصة تعلّم القراءة والكتابة. وما بدأ مبادرةً محلية صغيرة سرعان ما تحوّل إلى مشروع عالمي يرسل كتاباً مجانياً كلّ شهر إلى الأطفال منذ ولادتهم وحتى بلوغهم الخامسة، بصرف النظر عن دخل عائلاتهم.
شهرتها صنعتها الأغنيات وإرثها صنعته الكتب
على مدى ثلاثة عقود، تجاوز عدد الكتب التي وزّعتها المبادرة 300 مليون نسخة، ووصل نشاطها إلى خمس دول. هكذا، لم تعد المكتبة مجرّد عمل خيري يحمل اسم نجمة شهيرة، بل أصبحت جزءاً من طفولة ملايين الأطفال، ومحاولةً لمنحهم ما حُرم منه والد بارتون: أن يبدأوا حياتهم والكتاب في متناول أيديهم.

دوللي بارتون والأطفال. (مكتبة الخيال)
عرف العالم دوللي بارتون بصوتها وأغنياتها التي عبرت أجيالاً، من "جولين" إلى "سأحبك دائماً" (I Will Always Love You)، لكنّها اختارت أن تترك أثرها أيضاً بعيداً عن المسارح والأضواء. فمن خلال "مكتبة الخيال"، تحوّلت النجمة التي صنعت شهرتها بالكلمات المغنّاة إلى اسم يرتبط بأولى الكلمات التي يقرؤها ملايين الأطفال.
ولعلّ المفارقة الأجمل في مسيرتها أنّ المرأة التي امتلكت واحداً من أشهر الأصوات في العالم جعلت من القراءة صوتاً للأطفال الذين قد لا تتوافر الكتب في منازلهم. لذلك، لا تبدو المكتبة مجرّد مبادرة خيرية موازية لمسيرتها الفنية، بل جزءاً أساسياً من إرثها.

دوللي بارتون في إعلان للمكتبة. (مكتبة الخيال)
كتابٌ يطرق باب الطفل
لم تنتظر "مكتبة الخيال" أن يذهب الطفل إلى المكتبة، بل حملت الكتاب إليه. فمنذ ولادته وحتى بلوغه الخامسة، يتلقّى الطفل المسجّل كتاباً مجانياً ومناسباً لعمره كلّ شهر عبر البريد، من دون أن يشكّل دخل العائلة شرطاً للاستفادة. بهذه الفكرة البسيطة، سعت بارتون إلى جعل الكتاب جزءاً مألوفاً من المنزل، لا امتيازاً مرتبطاً بالقدرة المادية أو بالمكان الذي يولد فيه الطفل.
ومع مرور السنوات، خرج المشروع من حدود تينيسي إلى دول أخرى، بينها كندا وبريطانيا وأستراليا وإيرلندا.
لا تكمن أهمية المبادرة في عدد الكتب التي وزّعتها فحسب، بل في الفكرة التي قامت عليها: أن تبدأ العلاقة مع القراءة قبل دخول المدرسة. فالكتاب الذي يصل باسم الطفل إلى منزله لا يمنحه حكاية جديدة فحسب، بل يحوّل القراءة إلى طقس عائلي، ويمنح الطفل شعوراً بأنّ الكتاب يخصّه وأنّ المعرفة متاحة له.
"سأحبك دائماً"... رسالةٌ أخيرة إلى الأطفال
برحيل دوللي بارتون، خسر العالم صوتاً رافق أجيالاً، لكنّ حكايتها لن تنتهي مع الأغنية الأخيرة. فإذا كانت قد غنّت يوماً "سأحبك دائماً"، فقد حوّلت هذه العبارة إلى فعل من خلال ملايين الكتب التي وضعتها بين أيدي الأطفال. سيغيب صوتها عن المسارح، لكنّ محبتها ستبقى تُقرأ، كتاباً بعد كتاب، وجيلاً بعد جيل.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.