عودة تبتعد وغربة بلا نهاية
لفيروز أغنية لا تمر في الذاكرة كغيرها من الأغاني، هي جزء من تكويننا النفسي، وربما من هزيمتنا النفسية أيضاً. تذكرنا بانكسار أحلامنا بقدر ما أعطتنا، في زمن بعيد، حماسة وأملًا: "غاب نهار آخر، غربتنا زادت نهار واقتربت عودتنا نهار".
كانت العبارة تبني معادلة بسيطة ومطمئنة، كل يوم يمضي من الغربة يستهلك يوماً منها، وكل نهار يغيب يقرب العودة خطوة. لكن القضية الفلسطينية عودتنا، مع الأسف، على معادلة معكوسة، تمر الأيام فتزداد الغربة، ويغيب النهار فلا تقترب العودة، بل تبدو أبعد. وفي كل مرة نتصور أن الفلسطينيين اقتربوا من استعادة قرارهم، يأتي حدث أو انقسام أو قرار ليعيدهم إلى أول الطريق.
تذكرت الأغنية مع الأخبار التي انتشرت عن اتجاه القيادة الفلسطينية إلى تأجيل الانتخابات التشريعية المقررة في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل إلى العام المقبل. والدقة تقتضي القول إن قراراً رسمياً بالتأجيل لم يصدر حتى كتابة هذه السطور، فما زالت لجنة الانتخابات المركزية تؤكد، رسمياً، أن موعد الاقتراع قائم، بعد أن كان الرئيس محمود عباس قد حدده بمرسوم صدر في تموز/ يوليو الماضي. لكن تقارير الساعات الأخيرة تتحدث عن تحركات سياسية ودبلوماسية تمهد للتأجيل، وعن إبلاغ ديبلوماسيين أوروبيين بصعوبة إجراء الانتخابات في الظروف الراهنة، وسعي إلى حوار فصائلي برعاية مصرية يمنح التأجيل غطاء من "التوافق الوطني".
ظروف معقدة لكن...
الظروف صعبة فعلًا، ولا يجوز تبسيطها أو إنكارها. غزة مدمرة، وسكانها موزعون بين النزوح والفقد ومحاولة البقاء أحياء. الضفة الغربية تعيش تحت ضغط الاقتحامات والاستيطان وعنف المستوطنين، والقدس تخضع لقيود إسرائيلية يعرف الجميع أنها تستطيع تعطيل أي عملية انتخابية. وهناك تقارير عن رفض إسرائيل السماح للجنة الانتخابات بدخول غزة والقدس، فضلًا عن التساؤل المشروع بشأن ضمان أمن مراكز الاقتراع وعدم تعرضها للقصف أو الإغلاق.
هذه أسباب حقيقية وليست وهمية. لكن المشكلة الفلسطينية المزمنة أن الأسباب الحقيقية تتحول، مرة بعد مرة، إلى أبواب مفتوحة لتأجيل بلا نهاية. فالاحتلال لن يقدم يوماً الظروف المثالية لإجراء انتخابات فلسطينية حرة، ولن يستيقظ ذات صباح ليقرر مساعدة الفلسطينيين على تجديد شرعيتهم وبناء مؤسساتهم. وإذا صار غياب موافقة إسرائيل سبباً كافياً لتعليق الانتخابات، تكون إسرائيل قد حصلت عملياً على حق النقض على الحياة السياسية الفلسطينية كلها.
سبق أن شاهدنا السيناريو نفسه عام 2021. صدرت المراسيم، وتحركت القوى السياسية، وتشكلت القوائم، وارتفع الأمل بإجراء أول انتخابات تشريعية منذ عام 2006، ثم جاء التأجيل بذريعة عدم ضمان مشاركة القدس. لم يكن التأجيل لأسابيع أو شهور، بل تحول إلى انتظار امتد خمس سنوات أخرى. ولذلك يبدو تعبير "حتى العام المقبل" أقل طمأنة مما قد يتصور البعض، فالفلسطينيون يعرفون من تجربتهم أن الموعد المؤجل قد يصبح موعداً بلا تاريخ.
آخر انتخابات تشريعية فلسطينية جرت في كانون الثاني/ يناير 2006، وآخر انتخابات رئاسية جرت عام 2005. نحن إذن لا نتحدث عن خلل عابر في الجدول السياسي، وإنما عن جيل كامل نشأ من دون أن يشارك في اختيار مؤسساته الوطنية. الفلسطيني الذي وُلد عام 2006 بلغ اليوم سن التصويت، لكنه لم ير في حياته انتخابات تشريعية عامة. وعشرون عاماً ليست تأجيلاً إجرائياً، إنها تجميد للحياة السياسية، وتحويل للمؤسسات المنتخبة إلى هياكل فقدت صلتها بالزمن وبالتحولات داخل المجتمع.
الانتخابات قبل أم المصالحة؟
الأخطر أن تأجيل الانتخابات يُقدم عادة بوصفه وسيلة لحماية الوحدة الوطنية، بينما أثبتت التجربة أنه أحد أسباب استمرار الانقسام. يقال إن الانتخابات لا يمكن أن تجري قبل المصالحة، ثم لا تتحقق المصالحة، فتتأجل الانتخابات، ويُستخدم الانقسام مبرراً لعدم العودة إلى الشعب، بينما يؤدي غياب الانتخابات إلى تعميق الانقسام ومنح القوى المتنافسة مصلحة إضافية في استمرار الوضع القائم.
لا تقع المسؤولية على طرف واحد. الاحتلال مسؤول عن تقويض المجال السياسي الفلسطيني وعن منع الحركة والتجمع والتصويت في القدس، كما أن "فتح" و"حماس" وبقية الفصائل تتحمل مسؤولية سنوات من الصراع على السلطة ومن تقديم الحسابات التنظيمية على الحاجة إلى بناء شرعية وطنية جامعة. أما الدول العربية، فقد استضافت جولات لا تنتهي من المصالحة والحوارات التي أنتجت بيانات وصوراً أكثر مما أنتجت مؤسسات قابلة للحياة.
لكن المسؤولية الأكبر تقع على من يملك قرار الدعوة إلى الانتخابات أو تأجيلها. فإذا كان التأجيل حتمياً، فلا يكفي أن يقال "حتى العام المقبل". المطلوب موعد جديد محدد وملزم، وخريطة طريق معلنة، وضمانات عربية ودولية، وآلية بديلة لتصويت المقدسيين، وترتيبات واقعية لمشاركة غزة متى سمحت الظروف الأمنية. كما ينبغي أن يقترن التأجيل، إن وقع، بحكومة توافق محددة المهمة والمدة، تكون مهمتها الوحيدة توحيد المؤسسات وتهيئة الانتخابات، لا إدارة مرحلة انتقالية تتحول بدورها إلى وضع دائم.
المشكلة ليست فقط في من سيفوز "فتح" أو "حماس" أو المستقلون أو القوائم الجديدة. المشكلة أعمق، من يملك حق منح الشرعية الفلسطينية أو حجبها؟ هل تظل الشرعية ميراثاً تحتفظ به قيادات وفصائل لأنها امتلكتها في لحظة سابقة، أم أنها حق متجدد لا يمنحه سوى الشعب؟
الانتخابات تحت الاحتلال ليست انتخابات طبيعية، لكنها ليست ترفاً يمكن الاستغناء عنه حتى ينتهي الاحتلال. على العكس، الشرعية السياسية إحدى أدوات مقاومته. فالعالم يُطلب منه الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، بينما يظل حق الفلسطيني نفسه في المشاركة في تقرير شكل قيادته معلقاً. ومن الصعب الدفاع عن الدولة الفلسطينية بوصفها مشروعاً ديمقراطياً قابلاً للحياة إذا بقيت مؤسساتها من دون تجديد، ومجتمعها من دون صوت، وشبابها خارج معادلة القرار.
العودة التي غنت لها فيروز ليست فقط عودة اللاجئ إلى بيته وأرضه، إنها أيضاً عودة الفلسطيني إلى قراره، وعودة السياسة إلى الشعب، وعودة المؤسسات إلى معناها. وكل انتخابات تُلغى أو تؤجل بلا موعد مضمون تجعل هذه العودة أبعد، حتى لو قيل إن التأجيل لا يتجاوز عاماً.
"غاب نهار آخر"… لكن نهار الغربة هذه المرة لم ينقص. أضيف إلى ما سبقه. أما العودة، فبدلًا من أن تقترب نهاراً، تبدو كأنها تبتعد عاماً آخر.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.