من سيكون مارشال جنوب لبنان؟
أكد الأمين العام لـ"حزب الله"، الشيخ نعيم قاسم، في كلمته المتلفزة يوم الأربعاء 28 تشرن الأول/ أكتوبر 2026، التزام حزبه الثابت بملف الإيواء وإعادة الإعمار، رافعاً تعهد "وعد والتزام".
لكن قاسم وفي كلمته حملّ مسؤولية هذه المهمة إلى الدولة دون أن يدري أنها أكثر من عاجزة في ظلّ حديث رسمي لرئيس الحكومة، نواف سلام، عن إن الكلفة تعدت الـ27 مليار دولار. أمام هول الكارثة المستمرة مع استمرار العدوان الإسرائيلي والتلويح بحرب جديدة، وفي ظل تراكم الأزمات أمام السلطة اللبنانية مع غياب واضح للدول المانحة يطرح السؤال نفسه، من سيضع خطة مارشال لبنان الجديد لإعادة الإعمار؟ وما هي الفاتورة التي سيدفع لبنان بالسياسة؟
تحدث وزير الخارجية الأميركي الأسبق جورج مارشال، في كلمة أمام خريجي وطلبة جامعة هارفرد بمناسبة الاحتفالات السنوية للجامعة في 4 حزيران 1947، عن التكلفة الباهظة التي تكبدتها الاقتصادات الأوروبية بسبب الحرب العالمية الثانية، والآثار الاجتماعية المترتبة على ذلك. وأضاف مارشال أن على الولايات المتحدة أن تعمل ما في وسعها من أجل إعادة عافية الاقتصاد الأوروبي، راصداً لذلك ميزانية فاقت الـ20 مليار دولار أميركي.
سار الكونغرس الأميركي بـ"خطة مارشال"، وتبناها الرئيس الأميركي هاري ترومان في 3 نيسان/ أبريل 1948 ليبدأ بعد ذلك برنامج "الانتعاش الأوروبي". للوهلة الأولى يظنّ القارئ أن الأميركي لديه غيره واضحة على أوروبا، ولكن عندما يعود إلى الفكر البراغماتي الأميركي يدرك أن هذه الغيرة تحمل في خلفياتها سياسات أميركية تعمل على خطين متوازنين. الأول، يرتبط بوقف الزحف الشيوعي إلى العمق الأوروبي. والثاني، هو الأخطر يرتبط بسياسة واشنطن الإعمارية عبر إدخال شركاتها على خطّ الاعمار لبناء الحجر والبشر على حدّ ٍسواء.
بناء الحجر في العمق الأوروبي، يعني وضع الهندسيات الإعمارية بما يتناسب مع الفكر الأميركي من دون مراعاة للتراث الأوروبي. لهذا شهدت أوروبا الغربية في مناطقها نسخاً تتطابق مع نماذج الولايات الأميركية، تحت مسمى "أمركة العمارة الأوروبية، بهدف تأمرك القيم لاحقاً". هذا ما جعل الغرب الأوروبي لمرحلة طويلة من الزمن يرزح تحت العباءة الأميركية، ليس فقط الحماية العسكرية بل التبعية الاقتصادية والثقافية.
حال أوروبا بعد الحرب الثانية، كما واقع لبنان اليوم الذي يعيش جنوبه كارثة ما بعد الحرب. لكنّ هذا الأمر لا يحسم أن الغموض مطلق، على اعتبار أن الحرب ستضع أوزارها لاحقاً وإن عودة الأهالي والدولة إلى المناطق المحتلة مسألة وقت. لهذا أتى اجتماع طهران الاثنين 26 تشرين الأول مع حلف مكة ليطرح معادلات تهدف إلى التسوية. من جملة ما تمّ التطرق إليه معادلة التهدئة على الجبهة اليمنية بين حركة الحوثيين والرياض، بالمقابل أن تتولى المملكة إلى جانب مجموعة من الدول الأخرى ملف إعادة الإعمار في لبنان.
قد يكون هذا الطرح يتناسب مع رؤية طهران للمنطقة أو لما تضعه تحت مسمى الأمن القومي، على اعتبار أن الموافقة على وجود مساحة تتحرك فيها المملكة في لبنان، بمقابل فرض التهدئة مع الحوثي، يبعد، بحسب نظرتها، المشروع التركي ذا البعد التوسعي في المنطقة، حيث لبنان يشكل أولوية لسياسات أنقرة، وهذا ما حملته زيارة كل من الرئيسين جوزف عون وسلام إلى تركيا.
في ظلّ حالة التوتر التي تصيب أكثر من منطقة في العالم، على رأسها التصعيد الواضح والحديث عن نشوب حرب بين حلف شمال الأطلسي وروسيا، يخسر لبنان ورقة مهمة داعمة له على الصعيدين الديبلوماسي والإعمار. ومع استمرار اعتداءات حركة الحوثي على أهداف استراتيجية في الرياض منها مصالح شركة أرامكو وتعطيل حركة الملاحة لسفنها في البحر الأحمر وارتفاع منسوب نشوب حرب كبرى بين إيران وواشنطن بعض التسريبات عن إعلام واشنطن حلفاءها العرب بتنفيذ ضربات مكثفة على النظام في إيران تتعقد المشهدية.
من المبكر الحديث عن "خطة مارشال" في ظلّ حالة الغموض الواضحة والمسيطرة على المنطقة، لكنّ ما لا يمكن إسقاطه من الحساب هو أن جنوب لبنان منكوب ويحتاج الى استقرار حقيقي في ظل تخوف من فراغ حتمي بسبب انتهاء مهام القوات الدولية في 31 كانون الأول/ ديسمبر المقبل دون تقديم بديل. هذا ما يطرح تساؤل حول مصير الجنوب الذي قد لا تنفع اي خطة جديدة في حال استمر الاسرائيلي فيه لسنوات مع إصراك حزب الله على التمسك بسلاحه وربط الجنوب بجبهة ايران.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.