لبنان... العفو العام بين التعميم القضائي وقرار المجلس الدستوري
أعاد تعميم النائب العام لدى محكمة التمييز القاضي أحمد رامي الحاج في شأن آلية تطبيق قانون العفو العام طرح إشكالية قانونية تتجاوز جمع المستندات والتحقق من الملفات، لتطال حدود تطبيق شروط العفو ومدى الالتزام بقرار المجلس الدستوري وتفسيراته الملزمة.
وفي تصريح لـ"النهار"، ترى المحامية المتخصصة في القانون الجزائي سحر محسن أن الإشكالية لا تكمن في مبدأ التحقق من الشروط القانونية، بل في كيفية استخدام المعلومات التي تجمعها النيابات العامة، منعاً لتحويل الإجراءات الإدارية إلى قيود إضافية قد تحرم أشخاصاً العفو خلافاً للقانون.
التكرار ليس تعدّداً للملاحقات
توضح محسن أن للنائب العام التمييزي صلاحية إصدار التوجيهات اللازمة لتوحيد العمل بين النيابات العامة وحسن تطبيق القانون، لكن هذه الصلاحيات تبقى محكومة بالنصوص القانونية وقرارات المجلس الدستوري التي يتوجب على جميع المراجع المعنية التقيد بها.
ومحور المسألة الأساسية التمييز بين "التكرار" و"الملاحقات". فالتكرار مفهوم قانوني له شروطه المحددة، ولا يتحقق لمجرد وجود أكثر من ملاحقة في حق الشخص، فيما لا تثبت الملاحقة بذاتها ارتكاب الجرم، ما يفرض احترام قرينة البراءة وعدم ترتيب نتائج قانونية عليها إلا حيث ينص القانون صراحة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في قضايا المخدرات، في ضوء قرار المجلس الدستوري رقم 12/2026، الذي شدّد على تفسير التكرار وفق مفهومه القانوني وشروطه، لا وفق معيار تعدّد الملاحقات. وترى محسن أن القرار الدستوري ليس رأياً استشارياً يمكن تجاوزه، ولا يجوز اعتماد إجراءات تؤدي عملياً إلى الالتفاف على تفسيره أو إفراغه من مضمونه.
لكنها تشدد في المقابل على ضرورة درس كل ملف وفق النص الخاص بالجريمة المعنية وشروط الاستفادة من العفو، إذ لا يمكن اعتماد معيار موحد بصورة آلية لجميع القضايا، أو اعتبار كل معلومة واردة في السجل العدلي أو لدى الأجهزة الأمنية مانعاً من الاستفادة منه.
التحقق مطلوب من دون تعطيل التنفيذ
يطلب تعميم الحاج جمع السجل العدلي والمستندات العائدة إلى الشخص المعني من الأجهزة الأمنية قبل بت طلبات إسقاط العقوبات أو الملاحقات، مع إنشاء غرف عمليات في المحافظات للتعجيل في توفير المعلومات.
وتعتبر محسن أن استكمال المستندات قد يساعد في منع الاستنسابية وضمان التطبيق الصحيح للقانون، إلا أن التوسع في طلبها قد يؤدي أيضاً إلى تأخير بت الطلبات، في ظل الضغط على أقلام المحاكم ونقص الموظفين، وما يرافق ذلك من أعباء على المحامين والموقوفين وعائلاتهم.
وتخلص إلى أن معيار تقييم التعميم هو مدى توافق تطبيقه مع القانون وقرار المجلس الدستوري. وإذا اقتصر على التحقق من الشروط واستكمال المعلومات، فلا يشكل بذاته مخالفة قانونية. أما إذا أدى إلى إضافة شروط لم ينص عليها المشرّع، أو إلى اعتبار مجرد تعدّد الملاحقات تكراراً قانونياً خلافاً للتفسير الدستوري الملزم، فإنه يثير إشكالية جدية تستوجب المعالجة.
في المحصلة، لا تكمن المسألة في مواجهة بين صلاحيات النيابة العامة وقرار المجلس الدستوري، بل في ضمان ممارسة هذه الصلاحيات ضمن حدود القانون. فتوحيد الإجراءات لا يعني إلغاء خصوصية الملفات، وجمع المستندات لا يكفي وحده لتحقيق العدالة ما لم تُقرأ كل معلومة في إطارها القانوني الصحيح، ويُحترم الفرق بين الملاحقة والإدانة، وبين تعدّد الملاحقات والتكرار القانوني.
والغاية هي تطبيق العفو وفق شروطه القانونية، والإسراع في بت الطلبات، وضمان عدم حرمان أي شخص الاستفادة منه إلا استناداً إلى مانع قانوني واضح وثابت.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.