18 ألف صورة خلال 20 عامًا.. رجل يسابق الزمن لتوثيق الحيوانات في مهمة تبدو مستحيلة

وقد أمضى الرجل الذي يقف وراء مشروع "ناشيونال جيوغرافيك فوتو آرك" (National Geographic Photo Ark)، وهي مجموعة استثنائية تضم 18 ألف صورة "بورتريه" لمختلف الحيوانات، 20 عاماً في المشروع طويل الأمد.
في آخر مقابلة أجراها مع CNN قبل أربع سنوات، كان قد وثّق 13 ألف صورة، لكنه أضاف 5 آلاف صورة أخرى ضمن مجموعته منذ ذلك الحين.
ويبدو أنّ المصور البالغ من العمر 64 عاماً يسرّع وتيرة عمله، إذ قال: "عقارب الساعة تمضي".
رُغم وجود أكثر من مليون نوع موصوف من الحيوانات علمياً بشكلٍ رسمي، يُعد توثيق جزء بسيط منها إنجازاً هائلاً.

علاوةً على ذلك، تقف العديد من الكائنات التي يحلم بتصويرها على حافة الانقراض. لذا يمثِّل توثيق صورها سباقاً محموماً لكل من الحيوان والمصور على حدٍ سواء.
تشمل تلك الحيوانات المهددة بالانقراض وحيد القرن الجاوي، وقرد "تونكين" أفطس الأنف، وقط بورنيو الذهبي، وقط الأنديز، وحيوان الساولا.
كما أنّه يحلم بتوثيق الحيتان الضخمة، لكن أحجامها هائلة لدرجة أنّ المصور لم يتوصّل إلى طريقة لتصويرها بعد.
أثناء الحديث إلى سارتوري، المنحدر من ولاية نبراسكا الأمريكية، عبر مكالمة فيديو من كوخ عائلته الصيفي في ولاية مينيسوتا الأمريكية، يتّضح أنّه شخص متفائل، غير أن ثقل المهمة على عاتقه يفرض نفسه أحيانًا.

وأفاد سارتوري: "أنا لا أنام جيداً في الليل، فهناك الكثير ممّا يشغل بالي. لا أقضي وقتي كله في القلق والتقلّب في الفراش متسائلاً عن مصير هذا الكائن أو ذاك، لكن الأمر يجعلك تفكر بعمق، خصوصًا كشخص يحب الحيوانات ويكره فكرة انقراضها بشدّة. إنّه أمر يجعلني أستيقظ من نومي".
يتذكر سارتوري عندما فاتته فرصة توثيق آخر فرد باقٍ من نوع معين من القواقع البرية كان يعيش في هاواي من دون أن يعلم بوجوده (التقط المصور صورة لصدفته الفارغة بعد نفوقه).

وقال واصفاً ما شعر به إنه "أمر مؤثِّر للغاية، ويصعب وصفه، فهو مزيج من الحزن والذهول.. أعلم أنّ هذا سيتكرر، لكنه ليس أمراً أتطلع إليه".
مع ذلك، يصر سارتوري على أنّ عمله وعمل فريقه يرتكز على الأمل.
وانتشر المشروع عبر نطاق واسع، حيث عُرِضت صوره في المجلات، وعبر الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي. كما أنّها زيَّنت معالم بارزة مثل مبنى "إمباير ستيت" في مدينة نيويورك الأمريكية وكاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان.
وأدى هذا الانتشار إلى إحداث تغيير حقيقي.

لهذا السبب، اختيرت "سمكة اليد الحمراء" (red handfish) لتكون الرمز الأبرز لعام الاحتفال بذكرى تأسيس المشروع.
كما كانت هناك حاجة لتسليط الضوء على هذه السمكة بحسب ما ذكره.
وأشارت بيانات الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة إلى أنّ هذا النوع، المصنَّف ضمن الأنواع المهددة بالانقراض بشدّة، والذي يستخدم زعانفه للزحف على قاع المحيط، لا يضم سوى 100 حيوان بالغ، تعيش جميعاً في موقعين ضمن شعاب مرجانية تبلغ مساحتها الإجمالية 8 كيلومترات مربعة قبالة الساحل الشرقي لجزيرة تسمانيا الأسترالية.
وقد وصلت أخبار سمكة اليد الحمراء إلى سارتوري عن طريق أحد خبراء التصنيف الحيوي في المشروع، الذي علم بوجود برنامج للإكثار في الأسر في معهد الدراسات البحرية والقطبية الجنوبية بجامعة تسمانيا.
وأوضح سارتوري: "كان عدد أسماك اليد الحمراء الموجودة في غرفة واحدة.. يفوق عددها في البرية".

كان البرنامج يواجه وضعاً حرجاً للغاية، إذ كانت التمويلات المخصصة له على وشك النفاد، وفقًا له، وتابع قائلاً: "كان هذا أمراً جيداً استطعنا القيام به لتسليط الضوء على هذا النوع، وأعتقد أنّ الأمر كان مفيدًا حقًا".
يتمتع سارتوري، الذي نال لقب "مستكشف العام" من "رولكس" و"ناشيونال جيوغرافيك" عام 2018، بسجل حافل من الإنجازات ذات الأثر الملموس. فقد نُشرت صوره لعصفور "Florida grasshopper" المهدد بالانقراض في تقرير غلاف توعوي بمجلة "Audubon" المتخصصة في شؤون الطيور عام 2013.
وقد أثمرت تلك التغطية الإعلامية عن توفير تمويل لبرنامج خاص بإكثاره في الأسر.
وبعد أن كان هذا النوع الفرعي يضم 15 زوجاً فقط في البرية عام 2017، نجح البرنامج في إعادة إطلاق ألف طائر إلى بيئته الطبيعية بحلول عام 2024.
يُعد مشروع "فوتو آرك" (Photo Ark) مهمة لوجستية ضخمة تتطلّب تواصل خبيرين في التصنيف الحيوي، هما بيير دي شابانيس في فرنسا وناير يواكيم في المملكة المتحدة، بصورة مستمرة مع حدائق الحيوان، ومراكز إعادة تأهيل الحياة البرية، والمتخصصين، والهواة، والمنظمات الأخرى.
كما قد يتواصل غرباء سمعوا عن المشروع مع الفريق بشكل مفاجئ.
يُعطي الفريق الأولوية عادةً للرحلات التي تُركّز على نوعين أو ثلاثة أنواعٍ بارزة، مع توثيق مجموعةً من الأنواع الأقل شهرةً أو الأكثر شيوعًا في الوقت ذاته.
تمثَّلت المهمة الأساسية للمشروع في توثيق الأنواع الموجودة في الأسر، لكنها توسّعت منذ ذلك الحين لتشمل العمل الميداني، ومتابعة حملات التوثيق البيولوجي المكثفة (التي يجتمع المحترفون والهواة خلالها في موقعٍ واحد لرصد الأنواع)، بالإضافة إلى فعاليات ترقيم الطيور الجماعية.
تتيح هذه الفعاليات توثيق العديد من الكائنات دفعةً واحدة.

سينضم المشروع إلى فعالية ترقيم الطيور المهاجرة في كينيا في نهاية العام، حيث يُقدّر سارتوري أنّه سيتمكن من تصوير مئة نوع في 10 أيام فقط.
في المقابل، انتظر سارتوري أربع سنوات ليبلغ صغير الأيل في حديقة حيوان مينيسوتا سن البلوغ (سيكون جاهزًا لجلسة التصوير هذا الخريف).
أمّا على الصعيد المحلي، فقد عمل على تصوير نوع جديد من العثّ بشكلٍ شبه يومي في كوخه هذا الصيف.
تُصوَّر كل فصيلة، سواء كانت كبيرة أم صغيرة، أو زاهية الألوان أم باهتة، أم كثيرة الحركة أم ساكنة، أمام الخلفية المحايدة ذاتها (سواءً كانت بيضاء أو سوداء).
يملأ الكائن المصوَّرُ إطارَ الصورة بالكامل، وتمنحها عدسة سارتوري مكانةً وأهميةً متساويتين.
يُعتبر سارتوري ابنه كول البالغ من العمر 32 عاماً رفيقاً دائماً في رحلاته الخارجية، وهو الشخص الذي يعتقد أنّه سيرث هذا المشروع، إذ قال أثناء الحديث عن ابنه إنّه "مصور بارع، ويتمتع بالصبر، والطيبة، والهدوء أثناء تعامله مع الحيوانات".
في حين يرى الجمهور صوراً فوتوغرافية، يحمل سارتوري الكثير من الذكريات، ولعل أكثر اللقاءات التي لا تزال راسخة في ذاكرته بقوة تتمثل بتوثيقه لـ "نابيري"، التي كانت آنذاك واحدة من ثلاث حيوانات متبقية على وجه الأرض من فصيلة وحيد القرن الأبيض الشمالي.
كانت "نابيري" مسنةً ومريضة، وماتت بعد ذلك بفترة وجيزة في عام 2015.
عند حديثه عن تلك الجلسة، قال سارتوري: "سارت جلسة التصوير بشكلٍ جيّد، ومن ثمّ استلقت نابيري وأخذت قيلولة. توقفتُ عن العمل ووضعتُ يدي على ظهرها. كان بوسعي أن أشعر بحركة الارتفاع والانخفاض مع كل نَفَسٍ تتنفسه".
وتابع: "وضع يدك على كائن تشعر بأنّه قد ينقرض.. إنّها لحظة مؤثرة للغاية".
بعد مرور عشرين عاماً على انطلاق مشروعه، يسارع سارتوري لتحقيق هدفه التالي، أي توثيق 25 ألف فصيلة.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.