اجتماع 17 أيلول يضمّ القيادات العسكرية ويمهّد لمؤتمر دولي موسّع لدعم لبنان
تتجه الأنظار في باريس الخميس المقبل، ١٧ أيلول/سبتمبر، إلى الاجتماع الدولي التحضيري لدعم القوات المسلحة اللبنانية، الذي يُعقد في ظل مرحلة مفصلية يمر بها لبنان، تتقاطع فيها المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية مع مسار تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، والتحضير لمرحلة ما بعد انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" في نهاية العام.
ويكتسب الاجتماع أهمية استثنائية لكون رئاسته ستكون ثلاثية فرنسية - أردنية - لبنانية، بمشاركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس اللبناني جوزف عون، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني. ويأتي هذا التنسيق في إطار الجهود الفرنسية - الأردنية لدعم الجيش اللبناني وتعزيز قدرته على تحمل مسؤولياته الوطنية والأمنية في المرحلة المقبلة. وقد أكد الملك عبد الله الثاني خلال لقائه قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل دعم الأردن الكامل للمؤتمر الذي سيعقد في باريس في ١٧ أيلول / سبتمبر، بهدف تعزيز القدرات العملانية للجيش اللبناني.
ويشارك في الاجتماع عدد كبير من الدول والمنظمات، على مستوى القيادات العسكرية، في مؤشر إلى الاهتمام الدولي المتزايد بمستقبل المؤسسة العسكرية اللبنانية. ومن بين المشاركين الولايات المتحدة وفرنسا والأردن وإيطاليا وهولندا وبريطانيا وألمانيا وإسبانيا وتركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر ومصر وكندا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
وتشير المعلومات المتوافرة إلى أن رؤساء أركان أو مسؤولين عسكريين سيشاركون في الاجتماع، إضافة إلى ممثلين عن منظمات دولية ومؤسسات مالية. وتؤكد هذه المشاركة أن البحث لن يقتصر على تقديم مساعدات عسكرية ظرفية، بل سيتناول مستقبل المؤسسة العسكرية اللبنانية وقدرتها على تنفيذ المهمات المطلوبة منها في المرحلة المقبلة.
فرنسا تريد الانتقال من المساعدات إلى بناء قدرة مستدامة
وتولي باريس أهمية كبيرة لهذا الاجتماع باعتباره الخطوة الأولى نحو عقد مؤتمر دولي أوسع لدعم الجيش وقوى الأمن اللبنانية، لم يحدّد بعد موعده ومكان انعقاده.
وتريد فرنسا أن تخرج الدول المشاركة من الاجتماع التحضيري برؤية مشتركة حول كيفية تعزيز قدرات الجيش اللبناني، ولا سيما في مجالات التدريب والتجهيز والاتصالات والنقل والدعم اللوجستي، إضافة إلى الموارد البشرية والقدرة على تأمين انتشار مستدام للقوات.
وسيكون أمام قيادة الجيش اللبناني مجال واسع لعرض احتياجات المؤسسة العسكرية وخطتها للمرحلة المقبلة أمام القيادات العسكرية للدول المشاركة. وقد أعد الجيش، وفق المعلومات المتداولة، دراسة مفصّلة حول حاجاته المادية والتقنية واللوجستية والبشرية، بما يسمح للدول المانحة بتحديد نوعية المساعدات التي يمكن أن تقدّمها.
ولا يبدو أن الرهان الأساسي سيكون على تحويل أموال إلى لبنان لشراء المعدات، بل على تقديم الدول المشاركة المعدات والتجهيزات مباشرة. ومن الأفكار المطروحة أيضاً الاستفادة من جزء من المعدات التي تستخدمها القوات الدولية الموجودة في لبنان، والتي ستغادر البلاد مع انتهاء مهمّتها، بدلاً من إعادة شحنها إلى الدول التي أرسلتها.
وهذا الاقتراح يكتسب أهميةً خاصةً في ضوء الحاجة إلى تأمين انتقال سريع ومنظم بين مرحلة وجود "اليونيفيل" والمرحلة التي سيتحمّل فيها الجيش اللبناني مسؤوليات أمنية أكبر في الجنوب.
ومن المتوقع أن يحتلّ الجنوب اللبناني موقعاً مركزياً في المناقشات. فالجيش سيكون مطالباً بتوسيع انتشاره في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، ومواصلة تعزيز وجود الدولة في المناطق التي تخضع لسلطتها، في إطار التفاهمات التي يجري بحثها بين لبنان وإسرائيل.
وتريد باريس أن يكون الجيش قادراً على ملء الفراغ الذي قد ينشأ بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل"، مع البحث في صيغة دولية جديدة لمساندة المؤسسات اللبنانية.
ولا يتعلق الأمر فقط بتأمين قوات إضافية أو معدات عسكرية، بل بكيفية إنشاء آلية تتيح مراقبة تنفيذ الترتيبات الأمنية في الجنوب، ومساعدة الجيش على القيام بمهامه، والحفاظ على الاستقرار على طول الخط الأزرق.
ومن هنا تبرز أهمية المشاركة الأوروبية والعربية الواسعة، إلى جانب الولايات المتحدة والأمم المتحدة، في البحث عن صيغة ما بعد "اليونيفيل".
جدول الاجتماع
وقد حدّدت باريس ثلاثة محاور أساسية للاجتماع التحضيري: تقييم الوضع الأمني في لبنان، إتاحة المجال أمام الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي لعرض احتياجاتهما، وتنسيق جهود الشركاء الدوليين حول أفضل السبل لتعزيز قدرات القوات المسلحة اللبنانية.
لكن خلف هذه العناوين التقنية يبرز البعد السياسي للاجتماع.
فالدعم الدولي للجيش مرتبط مباشرةً بمسار استعادة الدولة اللبنانية لسيادتها واحتكارها للسلاح، وبقدرة الجيش على القيام بالدور الذي يطلبه منه المجتمع الدولي.
وتعتبر باريس أن تعزيز قدرات الجيش يشكل عنصراً أساسياً في أي تسوية مستدامة في لبنان، لأن انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية لا يمكن أن يؤدّي إلى استقرار طويل الأمد إن لم تكن هناك قوة لبنانية قادرة على ملء الفراغ الأمني ومنع عودة التوتر.
وفي المقابل، فإن مطالبة الجيش بتحمّل مسؤوليات أكبر تفترض توفير الإمكانيات اللازمة له، وهو ما تسعى فرنسا إلى حشد الدعم الدولي له من خلال اجتماع باريس.
على هامش الاجتماع
ومن المتوقع ألا تقتصر أهمية ١٧أيلول/ سبتمبر على الاجتماعات العسكرية. فوجود ماكرون وعون والملك عبد الله الثاني في باريس يوفر فرصة لعقد لقاءات سياسية على هامش الاجتماع التحضيري.
وسيكون اللقاء بين الرئيسين الفرنسي واللبناني من أبرز هذه الاجتماعات، إذ يُفترض أن يتناول آخر التطورات السياسية والأمنية في لبنان، ومسار المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، والوضع في الجنوب، إضافة إلى مستقبل الدعم الفرنسي للجيش اللبناني.
ومن المتوقع أيضاً أن يشارك الملك عبد الله الثاني في جانب من المشاورات الفرنسية - اللبنانية، خصوصاً أن الأردن يؤدّي دوراً متزايداً في مسار دعم الجيش اللبناني من خلال "مسار العقبة".
ويشكل وجود هذا العدد الكبير من القيادات العسكرية فرصة لعقد لقاءات ثنائية بين قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل ونظرائه من الدول المشاركة، لبحث الاحتياجات العملية للجيش، وخصوصاً في مجالات التسليح والتدريب واللوجستيات والاتصالات.
ويمكن أن تشهد باريس كذلك لقاءات بين المسؤولين اللبنانيين وممثلي الولايات المتحدة والسعودية ودول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً أن حجم المساعدة المستقبلية سيكون مرتبطاً إلى حدّ كبير بقدرة الجيش على تنفيذ مهماته.
وتحمل مشاركة الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية أهمية خاصة.
فالولايات المتحدة هي أحد أبرز الداعمين العسكريين للجيش اللبناني، بينما تمثل السعودية أحد أهم الأطراف العربية القادرة على المساهمة في إعادة بناء المؤسسة العسكرية وتعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية.
ومشاركة الإمارات وقطر ومصر والأردن تعطي المؤتمر بعداً عربياً واضحاً، فيما تعكس المشاركة الأوروبية الواسعة رغبة في عدم ترك لبنان يواجه وحده المرحلة التي ستلي انتهاء مهمة "اليونيفيل".
وتأتي هذه المشاركة في سياق أوسع من التنسيق الفرنسي - السعودي حول لبنان، ولا سيما أن باريس والرياض أكدتا دعمهما للجيش وقوى الأمن، وربطتا استقرار لبنان بتعزيز الدولة وسيادتها وحصر السلاح بالمؤسسات الشرعية.
من الاجتماع التحضيري إلى المؤتمر الدولي
ومن المنتظر أن يخرج اجتماع ١٧ أيلول / سبتمبر بتوصيات وبيان مشترك يشكلان أساساً للتحضير للمؤتمر الدولي النهائي لدعم القوات المسلحة اللبنانية.
وهذا المؤتمر لم يحدّد موعده أو مكان انعقاده حتى الآن، لكن باريس تريد أن يتحول اجتماع الخميس إلى ورقة عمل عملية تحدد احتياجات الجيش وآليات تمويلها وتجهيزها، وتوزع الأدوار بين الدول والمؤسسات المشاركة.
وبذلك، فإن اجتماع ١٧ أيلول / سبتمبر لا يمثّل مجرّد اجتماع للبحث في تقديم مساعدات للجيش اللبناني، بل يمكن أن يكون بداية إعادة صياغة للدور الدولي في لبنان بعد انتهاء "اليونيفيل".
تكمن أهمية اجتماع باريس في أنه يأتي في لحظة يحاول فيها لبنان الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة بناء سلطة الدولة.
فالجيش اللبناني سيكون في قلب المعادلة الجديدة: عليه أن ينتشر في الجنوب، وأن يثبت قدرة الدولة على حماية أراضيها، وأن يتولى مسؤوليات كانت تتقاسمها معه القوات الدولية، وأن يسهم في تنفيذ الترتيبات الأمنية الناتجة عن المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية.
لكن نجاح هذه المهمة لن يكون ممكناً من دون دعم دولي حقيقي.
ومن هنا تبدو الرسالة الفرنسية واضحة: لا يمكن مطالبة الجيش اللبناني ببسط سلطة الدولة من دون تزويده بالوسائل التي تمكنه من القيام بذلك.
وسيكون اجتماع 17 أيلول / سبتمبر، بحضور ماكرون وعون والملك عبد الله الثاني وأكثر من ثلاثين قيادة عسكرية وممثلين عن دول عربية وأوروبية ودولية، اختباراً أولياً لمعرفة مدى استعداد المجتمع الدولي لتحويل هذا المبدأ إلى التزام عملي.
فالمرحلة المقبلة في لبنان قد تتطلب جيشاً أكثر قوة وتجهيزاً، ودولة أكثر قدرة على فرض سلطتها، وترتيباً دولياً جديداً يواكب انسحاب "اليونيفيل". وإذا نجحت باريس في تحويل اجتماعها التحضيري إلى توافق دولي حول هذه المعادلة، فقد يشكل مؤتمر دعم الجيش المرتقب نقطة تحول في مسار استعادة الدولة اللبنانية لسيادتها.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.