موت الديناصورات وبداية حياة أميركية جديدة؟
بعد الانتخابات الأميركية في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر، وصف -دي سانتس– الحاكم الجمهوري لفلوريدا نتائجها "بأنها ليست مجرد تسونامي، بل هي أشبه بذلك النيزك الذي ضرب الأرض وأباد الديناصورات". ليعبر بشكل رائع عن عمق التحول الذي شكلت هذه الانتخابات إرهاصاته الأولى.
ونحن لا نزال في بداية التحول
في كانون الأول/ ديسمبر 1799، مرض جورج واشنطن، بشدة فقام الأطباء بفصادة لدمه، بحيث نزف أكثر من ثلث دمه، وبذلك مات مؤسس الجمهورية لا من المرض، بل من العلاج أولاً.
وكذا فعل ترامب مع أميركا. فلقد صعد في لحظة فراغ سياسي ومؤسساتي، ليواجه أزمة عميقة في البلاد. فهم ترامب المرض أفضل من خصومه، وطرح تحطيم البيروقراطية الحزبية في واشنطن. لكنه بالغ في علاج الأزمة الأميركية: بالغ في تفكيك النخب والبيروقراطية. وبدلاً من إعادة تجديدها، قام بتهشيمها من دون بديل. ليتعمّق نفوذ الشركات وترتخي قيود الأخلاقيات، أطاح هذا النزيف في النخب البيروقراطية وفشله في تعويضها، فرص ترامب تماماً كما أودت الفصادة المفرطة بروح الأب المؤسس لأميركا.
كان العقاب فادحاً! لم ترسل كانساس ديموقراطياً إلى مجلس الشيوخ منذ قرابة قرن، ثم فعلت. وكذا أيوا وأوهايو ومين وشمال وجنوب كارولينا، بل وتكساس.
وبينما طلب الرئيس من الناخبين أن يتخيلوه على ورقة الاقتراع، فلقد لبّوا طلبه بحماسة لم يتمنّاها هو ذاته. الأهم من العقاب هو ما تلاه. وبعد أن قال ترامب أنه "مستعد تماماً" للعمل مع الديموقراطيين، احتفلت الأسواق لا لشيء إلا لأنه سيرحل بسلام.
تلك عبقرية التجربة الأميركية ولعنتها! فكل أربعة عقود تقريباً تهز الأزمات أركانها حتى حافة الانهيار: ومن زمان إلى زمان، تعيد أميركا إنتاج ذاتها. ولكل زمان دولة ورجال.
الأهم أنها تعيد إنتاج نخبها!! فتصفي أميركا الديناصورات بلا رحمة وتطلق أجناساً جديدة من النخب. وصفتها كارلوتا بيريز "كل ثورة تكنولوجية تبدأ بفقاعة مضاربة في الأسواق، لا تلبث أن تنهار، ثم تنتج مؤسسات جديدة تحكم عصراً جديد!".
في 1929 تناقضت الجمهورية الزراعية مع نمو الإنتاج الصناعي الكبير، فحل جيل روزفلت محل جيل هوفر، وتبدل العقد الاجتماعي في "الصفقة الجديدة". في منتصف الستينات جاء جيل الهيبيين والاحتجاجات ليعيد هيكلة أميركا ما بعد الثورة الصناعية. ثم في 2008 أدت التقنيات العالية والمنصات الرقمية والعولمة المتسارعة، لإفراغ القلب الصناعي لأميركا، وتفاقمت الثروة في سواحلها، وترهلت وتفسخت نخبها في الحزبين.
حينها مثل ترامب فرصةً هائلة لتبديل دم للحزب الجمهوري، وتبديل دم الجمهورية. كان المتوقع أن يقلب الطاولة في وجه البيروقراطية والنخب المتعفنة في الحزبين! لكنه سرعان ما فشل في إنتاج نخب بديلة، والأهم أنه فشل في رسم استراتيجية حديثة لأميركا ما بعد الذكاء الصناعي والثورة البيولوجية إلخ...
تعلم الديموقراطيون درس 2024. وقاد شيخهم – أوباما – عملية تبديل دم الحزب وتصفية الديناصورات فيه: من كلينتون وبيلوسي وصولاً إلى هاريس ونيوسوم!
ولقد دفع الديموقراطيون في هذه الموجة، بأجيال جديدة من الشباب والنساء والأقليات الى مقدمة العمل السياسي - النساء 42% من نواب الحزب في مقابل 15% لدى خصومهم. فيما زاد الجمهوريون عزلتهم العقائدية.
بذلك لم يكن تبديل دم النخب ثمرة النصر، بل كان سبباً له. تبدو هذه اللوحة جميلة، لكنها خطرة في الوقت ذاته، إذ يترتب على الديموقراطيين الاعتراف بأن فوزهم كان عقاباً لترامب، أكثر مما كان انتصاراً لبرنامج متقدم ترفعه النخب الديموقراطية الجديدة.
فالحزب الذي فاز بفضل مزاج الجمهور، يترتب عليه إنتاج برنامج اقتصادي سياسي لأميركا في مناخ تلتهم فيه الأتمتة والذكاء الصناعي فرص اليد العاملة التقليدية.
يشتكي الكثير من الديموقراطيون منذ الآن أنهم في حالة من الفوضى السياسية العارمة. بما يذكرنا بقول ويل روجرز: " أنا في الحزب ديموقراطي لذلك فأنا لا أنتمي لأي حزب منظم"! إذ لا يكفي أن يعترف الديموقراطيون باختلاف الهويات وحسب، بل عليهم انتاج برنامج متكامل اجتماعي لمصلحة قوى الإنتاج والأعمال والقوى العاملة الحديثة.
من جهته، وبعد هزيمته البائنة، يعاني الحزب الجمهوري من فراغٍ بنيوي صارخ. ويحتاج بدوره لتجديد دمه وإعادة انتاج مفهوم جديد لليمين ولدور رأس المال ودور الدولة في عصر الذكاء الصناعي.
كان التصويت في 3 نوفمبر ظاهرة ظرفية حكمتها الأسعار والحرب. لكن هذه الأزمة الأميركية ليست أزمة ظرفية، بل هي أزمة عضوية عميقة: اقتصاد يعيد بناءه الذكاء الاصطناعي ورأس المال الحديث والمنفلت، فيما لا تملك الدولة الحديثة إلا نظاماً سياسياً عتيقاً وعاجزاً صُمّم للعصر الصناعي.
ثم أن الجديد لم يولد الجديد بعد قط؛ البديل الديموقراطي لا يزال جنيناً، ولم يثمر من جهته بعد البديل الجمهوري، بل تتعمق أزمة 2008 في المجتمع بأسره.
يُنسب إلى تشرشل قوله، إن الأميركيين يفعلون الصواب دائماً، ولكن بعد أن يستنفدوا كل البدائل الخاطئة. وأميركا ما زالت تستنفذ. وتلك كما قلنا عبقرية الفوضى الأميركية ولعتنها!
بالمقابل لا نستطيع بعد أن نقول إن اتجاه السياسة الأميركية الخارجية قد استقر أو تبدل بشكل واضح، لكن ما سيتبدل حتماً هو أدواتها. وتستقرئ موسكو وبكين النتيجة كتأكيد لما تؤمنان به أصلاً: أن العمر الافتراضي لوعود واشنطن لا يتجاوز موعد الانتخابات التالية. ستراهن الصين على الوقت، وتراهن روسيا على الفجوة بين بيت أبيض يعقد الصفقات، وكونغرس يتشدد حيالها ويسعى لضربها.
اعتاد الرئيس ترامب التصرف بشكل منفرد، مستخدماً القرارات التنفيذية، لكنه الآن سيجبر على التنازل للكونغرس الذي يملك الخزانة وسلطة التحقيق والتدقيق.
حين يؤدي الكونغرس الجديد اليمين: سنشاهد رئيساً مهزوماً لكنه لا يخشى انتخابات جديدة، بل إنه يمسك بقرار الحرب مع إيران. فالصفقة قد تبدو لترامب الخيار الأعقل؛ لكن الضربة الحاسمة قد تكون أكثر إغراء.
الأرجح أن التاريخ سيذكر نوفمبر 2026 بداية لتأسيس أميركا بعهدها الثالث.
وما لم يتمكن الديموقراطيون من تكريس نجاحهم عبر إنتاج برنامج اقتصادي سياسي، سيكون جمهوريو ما بعد ترامب لهم بالمرصاد! فهم يستنتجون بدورهم الدروس، ويشحذون أدواتهم، ولعلهم يصبحون أكثر جاهزية مما يظن الديموقراطيون.
لذلك، نفهم لماذا يبدو دي سانتس - الحاكم الجمهوري لفلوريدا خطراً يخيف ترامب والـMaga بقدر ما يخيف القادة الديموقراطيين!
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.