حصل على جائزة نوبل.. الطبيب الذي حول الضوء لمفتاح للخلايا العصبية

قبل أن يصبح العالم كارل ديسيروث أحد الحاصلين على جائزة نوبل الطب 2026 واحداً من أشهر علماء الأعصاب في العالم، كان طفلاً مشغولاً بالكلمات أكثر من الخلايا، إذ أحب الشعر والأدب، وفتنه السؤال عن قدرة جملة قصيرة أو قصيدة على تغيير شعور الإنسان، وبعد عقود، ظل السؤال نفسه حاضراً، لكن بأدوات مختلفة؛ الخلايا العصبية والضوء.
ولد ديسيروث في 18 نوفمبر 1971 في بوسطن بولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة، لأسرة كان العلم حاضراً بقوة في حياتها اليومية؛ كان والده ألبرت ديسيروث طبيباً وباحثاً في أمراض الدم والأورام، بينما عملت والدته في تدريس الفيزياء والكيمياء؛ وتنقلت الأسرة بين بوسطن وماريلاند وهيوستن ثم كاليفورنيا.
ورغم هذه البيئة العلمية، إلا أن حلمه الأول لم يكن أن يصبح طبيباً أو باحثاً وإنما أراد أن يكون كاتباً، وكان مفتوناً بالسؤال عن الطريقة التي تتحول بها الكلمات إلى مشاعر داخلية حقيقية وعن الكيفية التي يمكن بها لعلامات مطبوعة على ورق أن تنتج خوفاً أو حزناً أو حباً، وظل هذا السؤال يرافقه طويلاً.
كان ديسيروث قارئاً شرهاً لدرجة أنه كان أحياناً يقرأ أثناء قيادة دراجته مثبتاً الكتاب أمامه ومنشغلاً بالنص أكثر من الطريق، وتسببت هذه العادة في اصطدامه أكثر من مرة بسيارات متوقفة.
وظهرت لديه منذ الطفولة أيضاً قدرة قوية على الحفظ، ففي الصف الثالث طلبت المعلمة من التلاميذ حفظ قصيدة، فاختار قصيدة روبرت فروست الشهيرة "الطريق الذي لم أسلكه"، وقرأها ثم أعلن سريعاً استعداده لإلقائها، وعندما شككت المعلمة في ذلك، ألقاها أمام الفصل كاملة من الذاكرة.
ولم يتوقف ولع ديسيروث بالأدب عند الشعر الإنجليزي، إذ كان خورجي لويس بورجيس من الكتاب الذين أثروا فيه مبكراً، فقرأ أعماله خلال طفولته ومراهقته، كما درس اللغة الإسبانية لسنوات حتى استطاع قراءة بعض كتاباته بلغتها الأصلية، وظل الأدب حاضراً في حياته حتى بعد تحوله إلى الطب والبحث العلمي.
وفي الوقت نفسه، كان لديه فضول علمي واضح تجاه العالم الحي، إذ كان يتوقف أمام الحشرات ويتأمل حركتها، ويسأل نفسه كيف تتخذ قراراتها، كما كان يفحص الحيوانات النافقة على جوانب الطرق محاولاً فهم بنيتها، وهكذا اجتمع مبكراً لديه شغف بالأدب مع فضول بشأن السلوك والبيولوجيا.
وعندما التحق بجامعة هارفارد، ظل الاختيار بين الأدب والعلم حاضراً أمامه، ففكر بجدية في دراسة الكتابة، لكنه انجذب تدريجياً إلى الكيمياء والبيولوجيا، خاصة البروتينات والطريقة التي تستطيع بها جزيئات صغيرة إحداث تغييرات كبيرة داخل الخلايا، فاختار في النهاية طريق العلوم الحيوية.
حصل كارل ديسيروث على درجة البكالوريوس في العلوم الكيميائية الحيوية عام 1992 من جامعة هارفارد، ثم انتقل إلى جامعة ستانفورد حيث حصل على درجة الدكتوراه في علوم الأعصاب عام 1998، ثم حصل على شهادة الطب عام 2000، وبدأ مساراً يجمع بين البحث الأساسي والعمل الإكلينيكي.
بعد ذلك تدرب في الطب الداخلي والطب النفسي، وعمل باحثاً بعد الدكتوراه مع عالم الأعصاب روبرت مالينكا قبل أن يحصل في 2006 على الاعتماد المهني في الطب النفسي والأعصاب؛ وخلال هذه المرحلة بدأ سؤال أساسي يتبلور لديه: كيف يمكن تحديد الخلايا التي تسبب سلوكاً بعينه؟
لم يكن عمل ديسيروث مع المرضى منفصلاً عن المختبر؛ فقد كان يرى أشخاصاً يعانون من الاكتئاب والفصام واضطرابات أخرى، ويشاهد كيف يمكن لتغيرات في المخ أن تعيد تشكيل التجربة الإنسانية بالكامل، وكان يرى أن أدوات الطب المتاحة واسعة التأثير، بينما يحتاج العلم إلى استهداف خلايا محددة بدقة.
وفي إحدى التجارب التي أثرت في تفكيره، تحدث مع مريض مصاب بالتوحد كان يتجنب التواصل البصري، وعندما سأله عن السبب، قال المريض إن النظر إلى أعين الآخرين يسبب له شعوراً شديداً بفرط التحفيز؛ وتحولت هذه المحادثة لاحقاً إلى سؤال علمي عن التوازن بين النشاط الاستثاري والتثبيطي في المخ.
في الوقت نفسه، كان الباحثان بيتر هيجمان، وجورج ناجل، اللذين حصلا معه على الجائزة، يعملان على بروتينات حساسة للضوء موجودة في طحلب أخضر مجهري يسمى "كلاميدوموناس" وأظهرت أبحاثهما أن بعض هذه البروتينات تعمل كقنوات أيونية تفتح فور تعرضها للضوء، وهو اكتشاف بعيد ظاهرياً عن الطب النفسي، لكنه كان مفتاحاً جديداً لعلم الأعصاب.
كان البروتين المعروف باسم "الرودوبسين القنوي-2" مهماً بصورة خاصة؛ فعندما يتعرض للضوء الأزرق يفتح قناة في غشاء الخلية، فتسمح بمرور الأيونات الموجبة ويتغير الجهد الكهربائي للخلية، ورأى ديسيروث أن هذا البروتين يمكن أن يتحول إلى مفتاح دقيق لتشغيل الخلايا العصبية.
كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها؛ فإدخال الجين المسؤول عن هذا البروتين إلى نوع محدد من الخلايا العصبية، بحيث تصبح هذه الخلايا وحدها حساسة للضوء، وعند توجيه ضوء مناسب إليها، يمكن تشغيلها دون تنشيط الخلايا المجاورة، وهو مستوى من الدقة لم يكن متاحاً بسهولة من قبل.
وفي عام 2005 نشر فريق ديسيروث تجربة أصبحت محطة أساسية في تاريخ علم الأعصاب، إذ أدخل الباحثون الجين الخاص بـ"الرودوبسين القنوي-2" إلى خلايا عصبية في المختبر، ثم وجهوا إليها ومضات من الضوء الأزرق، فاستجابت بإطلاق إشارات كهربائية بسرعة ودقة تصل إلى أجزاء من الألف من الثانية.
كان العلماء حصلوا عملياً على مفتاح ضوئي للخلية العصبية؛ وفي السنوات التالية طور ديسيروث وزملاؤه وسائل لإيصال الضوء عبر ألياف بصرية دقيقة إلى مناطق عميقة من مخ الحيوانات، فأصبح من الممكن تنشيط مجموعات محددة من الخلايا داخل حيوان مستيقظ يتحرك بصورة طبيعية.
وفي إحدى التجارب، أدى تشغيل خلايا حركية محددة في مخ فأر إلى تحريك شواربه مباشرة مع تشغيل الضوء، ومن هذا النجاح نشأ مجال "علم البصريات الوراثي" الذي يجمع بين الهندسة الوراثية والضوء للتحكم في النشاط الكهربائي لخلايا عصبية بعينها.
غيرت هذه التقنية طريقة تفكير العلماء في المخ؛ فقبلها كان الباحث يستطيع ملاحظة أن منطقة ما تنشط أثناء الخوف أو الحركة أو التذكر، لكن ذلك لا يثبت أن هذه الخلايا تسبب السلوك؛ ومع التقنية الجديدة أصبح بالإمكان تشغيل الخلايا نفسها واختبار النتيجة مباشرة.
واستخدم آلاف الباحثين التقنية لاحقاً لدراسة دوائر مرتبطة بالمكافأة والجوع والعطش والنوم والانتباه والحركة والقلق والتفاعل الاجتماعي والذاكرة، وفي تجربة شهيرة، أعيد تنشيط خلايا مرتبطة بذكرى خوف لدى فأر، فظهرت عليه استجابة الخوف رغم وجوده في مكان آمن.
بعد سنوات من تطوير التقنية، واجه ديسيروث سؤالاً عن الكيفية التي يمكن من خلالها رؤية التوصيلات العصبية داخل المخ كله دون تقطيعه إلى شرائح، وبين عامي 2010 و2013، طور فريقه جامعة ستانفورد تقنية جديدة أطلق عليها اسم "كلاريتي" جعلت من الممكن جعل الأنسجة شبه شفافة وتصويرها ثلاثي الأبعاد.
تعتمد "كلاريتي" على تغيير جزء من المكونات الدهنية التي تعيق مرور الضوء إلى شبكة هيدروجيل شفافة تحافظ على بنية الأنسجة والبروتينات والجزيئات المهمة.
ومن التفاصيل اللافتة في قصة التقنية أن ديسيروث قال إن إحدى الأفكار التي قادت إليها خطرت له أثناء تغيير حفاضة أحد أطفاله.
استمر ديسيروث في ممارسة الطب النفسي في ستانفورد، وكان يرى أن اللقاء المباشر مع المرضى يحافظ على صلة أبحاثه بالأسئلة الإنسانية الأساسية، وفي بعض الفترات جمع في وقت واحد بين علاج المرضى وإدارة مختبر كبير وتدريس الطلاب وتربية الأطفال وإجراء الأبحاث والكتابة، وهي حياة شديدة الازدحام.
تزوج من ميشيل مونجي، الطبيبة وأستاذة علم الأعصاب في ستانفورد والمتخصصة في دراسة أورام المخ لدى الأطفال، ولديه 5 أطفال، أحدهم من علاقة سابقة؛ كما تحدث عن فترة عاش فيها كأب منفرد خلال التدريب الطبي والبحثي، وعن تأثير الأبوة في رؤيته للرعاية والتعلق والخوف.
عودة للحلم القديم.. كتاب عن المشاعر
وعلى الرغم من انشغاله الدائم بالعلم؛ إلا أن حلم الطفولة القديم لم يختف؛ ففي عام 2021، وبعد عقود من العمل في المختبر والعيادة، عاد ديسيروث إلى الكتابة ونشر كتاب "إسقاطات: قصة عن المشاعر الإنسانية" والذي جمع فيه بين علم الأعصاب والأدب والقصص الإنسانية وتجربته مع مرضى الطب النفسي.
وبحلول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أصبح ديسيروث واحداً من أكثر علماء الأعصاب حصولاً على الجوائز، إذ نال جائزة الدماغ عام 2013، وجائزة الاختراقات العلمية عام 2016، وجائزة كيوتو عام 2018، ثم جائزة لاسكر عام 2021، وجائزة هورويتز عام 2022، وجائزة اليابان عام 2023.
وانتخب ديسيروث عضواً في عدد من أبرز الأكاديميات العلمية الأميركية، وأصبح باحثاً في معهد هوارد هيوز الطبي وأستاذاً في الهندسة الحيوية والطب النفسي والعلوم السلوكية بجامعة ستانفورد، ولأعوام طويلة، ظل اسمه يتكرر ضمن العلماء الذين ينظر إلى أعمالهم باعتبارها مرشحة بقوة لجائزة نوبل.
وفي عام 2026 تحقق ذلك، عندما حصل على نوبل الطب مع بيتر هيجمان وجورج ناجل، في تكريم لمسار بدأ من بروتين حساس للضوء داخل طحلب مجهري، وانتهى بأداة تسمح للباحثين بالتدخل في دوائر المخ بدقة زمنية وخلوية لم تكن متاحة من قبل.
لكن قصة ديسيروث تصبح أكثر اكتمالاً بالعودة إلى الطفل الذي كان يقرأ القصائد فوق دراجته؛ فالسؤال الأساسي لم يتغير كثيراً؛ إذ كان يريد أن يعرف كيف يمكن لشيء مادي، مثل حروف على صفحة أو تيار من الأيونات عبر غشاء خلية، أن يتحول إلى ذكرى أو خوف أو حب.
وبعد عقود من البحث، لم يصل العلم إلى إجابة كاملة عن هذا السؤال، لكن ديسيروث ساعد في منح الباحثين أداة لم تكن موجودة من قبل تتمثل في القدرة على إضاءة مجموعة محددة من الخلايا ومشاهدة ما يحدث بعدها؛ وبمعنى يكاد يكون حرفياً، استخدم الضوء ليبحث داخل المخ عن أصل المشاعر.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.