إقامات أقل للمغاربيين في فرنسا... تشدد في الهجرة أم حسابات سياسية؟

تتراجع تصاريح الإقامة الجديدة الممنوحة لمواطني المغرب والجزائر وتونس في فرنسا، فيما يرتفع إجمالي التصاريح الصادرة للأجانب. مفارقة تفتح ملف سياسة باريس تجاه الهجرة المغاربية، وحدود تأثير التوترات الديبلوماسية فيها. غير أن بيانات عام 2025 تكشف تفاوتاً بين الدول والمسارات، يجعل الحديث عن تضييق موحّد على مواطني المغرب العربي بحاجة إلى تدقيق.
فالتراجع الذي يجمع الدول الثلاث في الإقامات الجديدة والحصول على الجنسية الفرنسية، يقابله اختلاف في التأشيرات. وبين التشدد الداخلي والعلاقات الثنائية، تتداخل عوامل عدة في تفسير الأرقام، من طبيعة الإقامة المطلوبة إلى القرارات السياسية والإدارية.

متظاهرون يحملون مجسّمات تمثّل مهاجرين خلال احتجاج على قانون الهجرة في ساحة تروكاديرو بباريس، 21 كانون الثاني/يناير 2024. (أ ب)
الإقامات تتراجع والتأشيرات تتفاوت
وفق بيانات وزارة الداخلية الفرنسية، أصدرت فرنسا نحو 2.96 مليون تأشيرة خلال عام 2025، بزيادة 3.5 في المئة مقارنة بعام 2024. وتراجع عدد التأشيرات الممنوحة للجزائريين إلى 204 آلاف و243 تأشيرة، بانخفاض 18.3 في المئة، فيما ارتفع عدد التأشيرات الممنوحة للمغاربة 6.1 في المئة، ليبلغ 300 ألف و104 تأشيرات. وهذا التفاوت يمنع تعميم تراجع التأشيرات على الدول المغاربية الثلاث.
أما تصاريح الإقامة الأولى، فسجلت انخفاضاً لدى الجنسيات الثلاث. وحصل المغاربة على 35 ألفاً و585 تصريحاً، بتراجع 3.7 في المئة، والجزائريون على 28 ألفاً و531 تصريحاً، بانخفاض 2.8 في المئة، والتونسيون على 20 ألفاً و598 تصريحاً، بتراجع 8.4 في المئة.
وتزامن ذلك مع ارتفاع إجمالي تصاريح الإقامة الأولى إلى نحو 377 ألفاً و462 تصريحاً، بزيادة 9.2 في المئة، بحسب البيانات الموقتة المنشورة في حزيران/يونيو 2026. وتقود الإقامات الإنسانية هذه الزيادة، فيما تراجعت الإقامات لأسباب اقتصادية 13.2 في المئة. وتساعد هذه التفاصيل على فهم اختلاف الاتجاه العام عن المسار المغاربي، من دون أن تكفي وحدها لتحديد أسباب تراجع كل جنسية.
وشمل الانخفاض أيضاً اكتساب الجنسية الفرنسية. فقد حصل عليها 13 ألفاً و643 مغربياً، بتراجع 811 شخصاً عن عام 2024، و11 ألفاً و551 جزائرياً، بانخفاض 451 شخصاً، و6978 تونسياً، بتراجع 272 شخصاً.
التشدد يصل إلى العائلات
تكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة بالنظر إلى العلاقات التاريخية وحركة الهجرة بين فرنسا والدول الثلاث، والاتفاقات الثنائية التي تنظم جوانب من التنقل والإقامة والعمل، ويعود بعضها إلى الستينات.
ويأتي ذلك في سياق تشديد شروط الاستقرار في فرنسا، مع تعزيز متطلبات اللغة وإقرار امتحان مدني يتناول مبادئ الجمهورية وقيمها ومؤسساتها. ودخلت متطلبات جديدة حيز التنفيذ في مطلع كانون الثاني/يناير 2026، ما يجعلها تطوراً لاحقاً لأرقام 2025، ينبغي الفصل بينه وبين تفسيرها المباشر.
ويترافق هذا المسار مع تصاعد حضور الهجرة في خطاب اليمين واليمين المتطرف، والضغوط على الحكومات المتعاقبة لضبط أعداد المهاجرين وتسريع الترحيل.
ويقول رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان مصطفى عبد الكبير، لـ"النهار"، إن هذا التراجع "ليس مفاجئاً"، مشيراً إلى أن باريس بدأت تشديد قيودها على الهجرة منذ سنوات.
ويتحدث الحقوقي التونسي عن تشريعات متشددة أقرتها فرنسا خلال الأعوام الأخيرة، معتبراً أن السياسة الفرنسية أصبحت أكثر تشدداً في عدد من ملفات الهجرة والإقامة.
ويشير عبد الكبير إلى وجود آلاف التونسيين الذين لم يحصلوا على تصاريح إقامة، رغم استيفاء ملفاتهم الشروط المطلوبة، لافتاً إلى أن بعضهم مضى على إقامته في فرنسا أكثر من 15 عاماً.
ويقول إن "التشديد وصل، في بعض الحالات، إلى رفض طلبات تأشيرة تقدم بها تونسيون متزوجون من فرنسيات".
وسبق لعدد من التونسيين أن تظاهروا قبل أكثر من عامين أمام مقر السفارة الفرنسية في تونس، وكان معظمهم من المتزوجين بفرنسيات، احتجاجاً على رفض منحهم تأشيرات للالتحاق بزوجاتهم، وفق ما أكده عدد منهم حينها لـ"النهار".
وفي تقدير الحقوقي التونسي، تبدو الأرقام الجديدة أقرب إلى مؤشر على تشدد أوسع في سياسة الهجرة الفرنسية والأوروبية عموماً، أكثر منها إعلاناً عن قطيعة مع دول المغرب العربي.

عناصر من الشرطة الفرنسية يجرون تفتيشاً بعد التدقيق في هوية شاب أجنبي ووضع إقامته في محطة للحافلات، 19 آذار/مارس 2025. (أ ف ب)
التوتر الديبلوماسي يدخل الحسابات
ويحضر تفسير آخر لدى الناشط المقيم في فرنسا كمال العريبي، الذي لا يستبعد وجود رابط بين التوترات المتفاوتة التي شهدتها العلاقات بين باريس والعواصم المغاربية الثلاث خلال الأعوام الأخيرة.
ويشير العريبي، في حديث لـ"النهار"، إلى أن الخلاف بين الجزائر وفرنسا، على سبيل المثال، تصاعد بصورة خاصة خلال العامين الأخيرين، و"هو ما انعكس على ملف التأشيرات والإقامات الممنوحة للجزائريين".
ولهذا الربط سابقة سياسية، إذ قررت فرنسا عام 2021 تقليص تأشيرات مواطني المغرب والجزائر وتونس، قبل أن تعود إلى تخفيف القيود بعد محادثات ثنائية.
مع ذلك، يتطلب تحديد وزن العامل السياسي بيانات عن أعداد الطلبات ونسب الرفض وأسبابها لكل دولة. فعدد التأشيرات أو الإقامات الممنوحة يقيس النتيجة، ويترك مفتوحاً السؤال عن حصة كل من تراجع الطلب، وتشدد المعايير، والخلافات الديبلوماسية في إنتاجها.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.