عندما تتقاطع الجغرافيا العسكرية مع خرائط النفط في علي الطاهر
الحروب الدائرة في المنطقة وفي العالم ليست سياسية أو عسكرية فقط، إنما لها منطلقات اقتصادية تتعلق بالنفط والغاز. وهذه المصالح هي التي تحرك العالم كله.
خلال قمة العشرين في نيودلهي (2023)، أُعلن إنشاء مشروع الممر الاقتصادي الجديد بين الهند والخليج وأوروبا .(IMEC) والمشروع الطموح يمثل تحدياً لمبادرة "الحزام والطريق" (BRI) التي أطلقتها الصين عام 2013 بهدف بناء شبكة اقتصادية وبنى تحتية تربط آسيا بأوروبا وإفريقيا لتعزيز النفوذ العالمي للصين من شرق آسيا إلى أوروبا، من خلال جعل الدول في جميع أنحاء العالم تعتمد في شكل متزايد على الصين.
ويتضمن الممر الاقتصادي الموازي، بحسب قادة العشرين، إنشاء خطوط للسكك الحديد، فضلاً عن ربط الموانئ البحرية وجوانب أخرى. وتتوقع الولايات المتحدة أن يساهم الممر في تنشيط التنمية الاقتصادية من خلال تحسين الاتصال والتكامل الاقتصادي بين آسيا والخليج العربي وأوروبا.
وإذا كانت حروب المنطقة وإقفال إيران مضيق هرمز دفعت إلى التفتيش عن طرق بديلة للتجارة، وخصوصاً للنفط، فإن لبنان يبدأ قريباً وضع القاعدة اللوجيستية والإدارية لمشروع نقل الفيول العراقي براً عبر سوريا إلى منشآت النفط في طرابلس، ومنها إلى المتوسط. وفي رأي خبراء أن الأمر لن يقتصر على طرابلس براً، بل يمكن أن يعاد إحياء خط التابلاين إلى الزهراني، للنفط العراقي هذه المرة.
وقد يصبّ موقع مرتفع علي الطاهر في هذا الإطار أيضاً، فلا تقتصر أهميته على الموقع العسكري وتحصينات "حزب الله" فيه. بل ربما قامت تلك التحصينات بحسابات إيرانية لا يدركها الحزب نفسه، بغرض التأثير في المسارات الاقتصادية والنفطية الكبرى في المنطقة.

مرتفعات علي الطاهر. (نبيل اسماعيل)
صحيح أن علي الطاهر ليس على مسار خط النفط العراقي التاريخي كركوك - طرابلس، بل يقع في جنوب لبنان ضمن المجال الجغرافي لمنشآت الزهراني وخط التابلاين السعودي القديم.
ومنشآت الزهراني ليست مجرد خزانات نفط، فهي تاريخياً كانت إحدى نقاط استقبال النفط عبر خطوط الأنابيب. وقد استقبلت النفط السعودي عبر التابلاين الذي كان يأتي من السعودية مروراً بالأردن وسوريا وصولاً إلى جنوب لبنان. وتوضح المديرية العامة للنفط أن الخط وصل إلى الزهراني عبر الأراضي السورية وأنشئ المصب لهذه الغاية أساساً.
لذا فإن مرتفع علي الطاهر لا تكمن أهميته في وجود أنبوب نفط عراقي تحته أو بجانبه، بل في موقعه بالنسبة إلى شبكة المواصلات والمنشآت النفطية في جنوب لبنان.
أما التطور الأهم حالياً فهو أن العراق يبحث منذ 2025 في إعادة تشغيل/إعادة بناء مسار نفطي عبر سوريا إلى المتوسط، وهناك في 2026 مشروع أكبر قيد الدراسات لإنشاء بنية جديدة من العراق عبر سوريا. وتشير "رويترز" إلى أن المشروع الجديد قد يحتاج إلى نحو أربع سنوات، ويستهدف مبدئياً قدرة تصل إلى مليوني برميل يومياً، مع الاستفادة جزئياً من ممر خط كركوك- بانياس القديم.
أين يدخل علي الطاهر في هذه المعادلة؟
إذا كان هناك مشروع فعلي لإيصال النفط العراقي إلى الزهراني، فالمعادلة تصبح استراتيجية جداً.
من العراق إلى سوريا فجنوب لبنان - منطقة النبطية/الزهراني - منشآت الزهراني - البحر المتوسط.
وعندها تصبح منطقة علي الطاهر واحدة من المرتفعات التي تتحكم في العمق الجغرافي للممر المؤدي إلى الزهراني، لا باعتبارها محطة نفطية بذاتها، بل بوصفها موقعاً مرتفعاً قريباً من شبكة الطرق والممرات التي تربط البقاع والنبطية والجنوب والساحل. وبالتالي لا يجوز أن يظل "حزب الله"- ومعه إيران- مسيطرا عليها، ومهدداً المسار النفطي الذي تعمل عليه الولايات المتحدة الأميركية. فأيّ خط أنابيب أو طريق لنقل النفط يحتاج إلى حماية للممرات والمنشآت ومحطات الضخ. والسيطرة على المرتفعات القريبة تعطي قدرة على المراقبة والردع.
إحياء ممر عراقي- سوري- لبناني سيعيد إلى لبنان دوراً فقده منذ عقود، كممر نفطي إلى المتوسط. وهذا يفسر لماذا تصبح الجغرافيا الواقعة بين النبطية والزهراني والساحل ذات قيمة استراتيجية أكبر.
ولكن في المقابل، لا ينبغي المبالغة في هذا الربط، خصوصاً أن أيّ تصريح علني في هذا الشأن لم يصدر بعد، ولم تنشر دراسة علمية جدية في هذا الإطار، إنما يقتصر الأمر على أحاديث متداولة.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.