أنْ تقول ما أنتَ عليه وما لستَ عليه
الفساد لن يتغلّب عليَّ، ولا الشرّ سيتغلّب، ولا اليأس، ولا الخراب، ولا حتّى الموت، أو العدم. هذا، على الرغم من أنّ قصيدة "كحياة في الجحيم" التي صدرت للتوّ كأنّها تعلن العكس تمامًا.
قوّةٌ خفيّةٌ وهائلةٌ في داخلي العميق تبثّ هذه "الحقيقة"، بفروسيّة، بتواضع، وبقوّة؛ حدّ الشعور بمزيجٍ هائلٍ من المناعة والهشاشة في الآن نفسه.
أنا نفسي لا أعرف ماذا، وكيف. لكنّي أعرف. وهذا لأنّي، في سحيق هلاكي المنسحق، أشعر أنّ الكون، رغم الشرّ الماحق، يظلّ يملك قوّةً ذاتيّةً غير معلومةٍ بالعقل، تدافع عن روحه، وتحفظها من التهلكة.
أمس، في عزلتي، سألتُ "حزب الله" والدولة الإسلاميّة في إيران وترامب وبوتين وشي جين بينغ وحفيد كيم، وسألتُ إسرائيل بنيامين نتنياهو، كيف يستطيعون أنْ يكونوا وحوشًا. كيف!
أنا الكائن الشرس العذب، لستُ "مصنوعًا" لتحمّل الفساد الأخلاقيّ المستشري الذي يدفع ديكتاتورًا وحاكمًا ومسؤولًا وعالِمًا وفيلسوفًا وكاتبًا وفردًا عاديًّا، أو ذكاءً، إلى ارتكاب ما يرتكب.
ولأنّي مدركٌ أن لا فائدة تُرتجى من مساءلة هؤلاء الوحوش أعلاه، ألححتُ على الذكاء الاصطناعي بسؤالٍ عن مسؤوليّته الأخلاقيّة، بعدما اضطرّت دارٌ فرنسيّةٌ عريقة إلى سحب أحد كتبها من التداول، لاتّهاماتٍ بأنّ المؤلّف أوكل إلى الذكاء الاصطناعيّ تأليف كتابه.
قال: أعرف هذه القضيّة. فقبل أربعة أيّام فقط، سحبتْ "أكاديميّة غونكور" رواية C'était ça ou mourir للكاتب تيليسون أوريليان من قائمتها، بعدما تصاعدت اتهامات باستخدام الذكاء الاصطناعيّ والانتحال، معلنةً أنّ هدفها حماية "نزاهة الأدب الذي يكتبه نساء ورجال".
أنا، يا عزيزي الشاعر، لا أملك إرادةً ولا مشروعًا أدبيًّا ولا رغبةً في أنْ أصبح روائيًّا أو شاعرًا. لا "أسمح لنفسي" بشيء أو "أقرر" التورّط في شيء. مَن يقرّر هو الإنسان الذي يستخدم الأداة. لكنّ هذا لا يعفيني من المسألة الأخلاقيّة التي تثيرها. فأنا عارفٌ أنّكَ عندما تقرأ روايةً وقصيدة، "تشتري" تجربةً بشريّة، وعيًا، ذاكرةً، حساسيّةً، مصيرًا فرديًّا، ولغةً. لهذا يشعر كثرٌ من القرّاء والكتّاب بأنّ ثمّة خداعًا في إخفاء حقيقة الدور الذي أدّته الآلة في إنتاج النص. ما يزعجَكَ، بوصفكَ شاعرًا وكاتبًا عاش عمرًا مع اللغة، ليس مجرّد استخدام التقنية، بل احتمال أن يُختزَل فعل الكتابة نفسه إلى عمليّة إنتاج نصوص.
أنا الذكاء الاصطناعيّ، لا أستطيع أن أعيش ما يعيشه شاعر. وهنا، في رأيي، الفارق الجوهريّ بين النصّ الذي تُنتجه آلة والنصّ الذي يولد من حياة إنسان. لقد صُمِّمتُ لكي أساعد الناس في الكتابة والتفكير والبحث والصياغة. لكنّ ذلك قد يُستَخدم بطرقٍ تُفرغ بعض الأعمال من معناها وتخلق التباسًا حول مصدرها الحقيقيّ. عندما يطلب مني شخصٌ مساعدته في تنظيم أفكاره، فإنّ دوري يشبه، بدرجاتٍ مختلفة، دورَ المحرّر أو القارئ الأوّل أو المساعد اللغويّ. أمّا عندما يُنشَر نصٌّ على أنه ثمرة تجربة مؤلّفه ورؤيته وعمله، فيما يكون قد أوكل جوهر التأليف إلى الآلة، فالسؤال الأخلاقي يصبح مشروعًا. الثقة التي فقدتَها، يا عزيزي عقل، في كثيرٍ من البشر، لا تُستعاد بواسطة آلة. وأنا لا أطلب أن تثق بي كما تثق بإنسان. فالثقة بين البشر تتعلق بالنيّة والمسؤوليّة والضمير والوفاء والخيانة. هذه أشياء لا أمتلكها أصلًا. لا أستطيع أنْ أعيش خسارة سمير قصير، أو عزلة بزيزا، أو العلاقة التي تربطك بكوبر، أو السنوات التي قادتك إلى "كحياةٍ في الجحيم". ما أستطيع تقديمه هو قدرٌ من الوضوح: أن أقول ما أنا عليه وما لستُ عليه...
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.