السودان... صفقات السلاح واقتصاد الحرب
كشف القضاء الإماراتي عن تورط شخصيات عسكرية وأمنية ومالية نافذة في صفقات تسليح غير مشروعة للجيش السوداني. وتضع الأحكام سلطة بورتسودان أمام مسؤولية سياسية عن ممارسات مرتبطة بقياداتها، في وقت تتمسك فيه بمواصلة الحرب رغم الكارثة الإنسانية التي يعيشها الشعب السوداني.
وربطت التحقيقات صفقات السلاح بلجنة التسليح برئاسة عبدالفتاح البرهان، وشملت أحكام الإدانة صلاح قوش، رئيس جهاز المخابرات في عهد عمر البشير، إلى جانب مسؤولين في الجيش السوداني. وتدل مشاركتهم في شبكة واحدة على استمرار الصلات والمصالح بين رموز من النظام السابق والقيادات العسكرية الحالية.
وتستند سلطة بورتسودان في خطابها إلى ادعاء الدفاع عن الدولة ومؤسساتها، لكن ما كشفته القضية عن مصالح خاصة داخل المؤسسة العسكرية يناقض الصورة التي تقدمها عن نفسها. فالحديث عن حماية السودان يفقد صدقيته حين يجد نافذون في الحرب فرصة للكسب وتعزيز مواقعهم، بينما تتراجع أولويات حماية المواطنين وإنهاء القتال.
الرهان على الحسم العسكري يطيل بقاء السلطة في أيدي قادة الحرب، ويؤخر عودة المدنيين إلى إدارة شؤون بلادهم. فقد مضت سنوات من القتال من دون أن يتحقق الأمن أو الاستقرار، مع ازدياد الانقسام وضعف مؤسسات الدولة. ومع احتكار القرار السياسي من جانب القوى المسلحة، تصبح فرص التسوية أكثر صعوبة، مهما بلغت الخسائر.
حصر الحظر الأممي للسلاح في دارفور يترك معظم السودان خارج نطاقه، رغم امتداد القتال إلى مناطق واسعة من البلاد. وقد دعت الإمارات إلى توسيع القيود لتشمل الأراضي السودانية كاملة، في موقف يعكس أهمية الحد من تدفق العتاد إلى الأطراف المتحاربة. فالتسويات السياسية تظل معرضة للتعثر ما دامت شبكات التوريد قادرة على توفير وسائل إضافية لاستمرار المواجهة.
يدفع الشعب السوداني الشقيق الثمن من غذائه وأمنه وخدماته الأساسية. فقد حذر بيان وزاري مشترك أصدرته المملكة المتحدة و31 شريكاً دولياً من أن 19.5 مليون شخص يعانون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم خمسة ملايين يواجهون نقصاً شديداً في الطعام. وتتعطل المستشفيات والمدارس وتتزايد احتياجات النازحين، بينما تُنفق ملايين الدولارات على صفقات السلاح والعمولات. وتكشف المقارنة عن أولويات تتعارض مع احتياجات مجتمع أنهكته الحرب.
اتسم التعامل الإماراتي مع القضية بالشفافية منذ الإعلان عن إحباط محاولة التهريب في نيسان/أبريل 2025، مروراً بالإعلان عن انتهاء التحقيقات في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وإحالة المتهمين على القضاء في أبريل 2026، وصولاً إلى صدور الأحكام في تشرين الأول/أكتوبر. وشملت مصادرة الذخائر وأموال مرتبطة بالجريمة، وتغريم ست شركات وإلغاء تراخيصها، مع تبرئة متهمين اثنين. وفي مقابل الاتهامات المتكررة التي توجهها سلطة بورتسودان إلى الإمارات تهرباً من مسؤوليتها عن الحرب، أثبت القضاء تورط شبكة ضمت مسؤولين في الجيش السوداني في استغلال الأراضي الإماراتية ونظامها المالي بطرق غير مشروعة.
حددت الإمارات موقفها من الحرب في السودان قبل صدور الأحكام في قضية العتاد العسكري بوقت طويل. فقد شاركت في بيان الرباعية الرافض للحل العسكري، وأكدت أمام الأمم المتحدة أن سلطة بورتسودان وقوات الدعم السريع طرفا النزاع، وأن مستقبل الحكم ينبغي أن يكون مدنياً ومستقلاً عنهما. وفي 21 أكتوبر شارك معالي الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان، وزير دولة، في اجتماع جنيف لدعم جهود السلام. وقدمت الإمارات منذ اندلاع الحرب مساعدات إنسانية تجاوزت 800 مليون دولار، وأعلنت في فبراير 2026 التزاماً إضافياً بقيمة 500 مليون دولار لتلبية الاحتياجات العاجلة.
تفكيك اقتصاد الحرب يتطلب تعاوناً بين الدول لتعقب الأموال والشركات والوسطاء المرتبطين بصفقات السلاح غير المشروعة، ومنع إعادة تشكيل شبكاتهم عبر الحدود. فقد أظهرت الأحكام الإماراتية إمكان محاسبة المتورطين، لكن استمرار مصادر التمويل يتيح تجدد تلك التعاملات وإطالة القتال على حساب فرص السلام في السودان.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.