The Jerusalem PostIDF releases Sinwar letter encouraging Oct. 7 terrorists to plan broadcast of massacre footagePunchThree arrested over Osun resident’s murder, weapons recoveredESPNSouthern Nazarene safety Tyler Ulrich, 21, dies after in-game injuryInquirerBIR updates 2010 tax rules on shared drug discounts for seniorsDaily MaverickEroding purchasing power deepens pressures on ordinary South Africans한겨레‘재정 빨대’ 발언 추미애 지사, 부천 화재 현장서 “용기와 헌신에 감사…치료에 만전”ZDF heuteAktuelle Pressemitteilungen des ZDFCNN TürkHava Durumu (16-10-2026)کیهان لندنسرمقاله؛ ملت ایران به زودی ریشه‌ی بحران‌ها را خواهد سوزاندDeadline‘Street Fighter’ Punches $4M In U.S. Previews, ‘You Can See Everything’ $2M – Box Office Update7sur7Vandenbroucke veut limiter les flexi-jobs pour les malades de longue duréeRMF24Rusza Tauron Liga siatkarzy. Oto najciekawsze transfery
The Daily Newsstand · Free, Always
Friday, October 16, 2026

زيت إسطنبول!

Translate

لا أنزل إسطنبول لآكل من لحمها، وهو الألذ بشهادة العالمين، إنما لآكل خبز "سميت" ساخناً بعدُ من أحد أفران حي الفاتح، مغطساً في زيتها البكر... ففيه أتنشق رائحة زيت يُسكب ببطءٍ في قاع قدرٍ نحاسيٍّ ثقيل، ليبدأ طقسٌ من طهوٍ صبورٍ لن ينقطع في هذه المدينة لخمسة قرونٍ تالية.

ما كان زيت الزيتون في إسطنبول العثمانية مكوّناً آخر في مطابخها. كان مقاماً، ورتبةً، وفلسفةً في العيش. فإن كان الزبد والسمن سيّدي مطابخ الأناضول الداخلية، فإن زيت الزيتون البكر سيّد إسطنبول بلا منازع. ومنذ فتح العثمانيون القسطنطينية في 1453، ورثوا عن البيزنطيين عشقهم لزيت الزيتون، وبل صاغوا حول هذا الزيت ثقافةً كاملة.

يبيّن بحث المؤرخ التركي فاروق دوغان عن الفترة الممتدة بين عامي 1800 و1920 أن الزيت كان يدخل في الإنارة وصناعة الصابون، إلى جانب استعمالاته الأخرى، "ففي سجلّات مطبخ قصر طوب قابي، كان يدرج في المؤن الاستراتيجية، يجلب من بساتين آيفاليك وإزمير على سواحل بحر إيجة، ومن جزيرة كريت العثمانية، وكان السلاطين يوقفون أراضي الزيتون على المساجد والتكايا، فيصبح الزيت صدقةً جاريةً تتدفّق، كما البوسفور". وفي الأسواق المسقوفة حول المسجد الكبير، يجلس تجّار الزيت خلف قوارير فخّارية وجرار نحاسية، يبيعون "زيت العصرة الأولى"، أي البكر الممتاز، بأثمانٍ تفوق ثمن العسل. وأهل إسطنبول يميّزون بين زيت آيفاليك ذات الطعم العشبي الحادّ، وزيت كريت الأكثر نعومةً واعتدالاً.

في المطبخ، كان صعود الزيت أكثر تدرّجاً. توضح مؤرخة الطعام أوزغه سامانجي أن السمن المصفّى ظلّ الدهن الغالب في مطبخ إسطنبول العثمانية، فيما استخدم زيت الزيتون بدرجة أقل، واكتسب أهمية خاصة لدى المسيحيين في أيام الصوم الكبير. وفي المدينة التي تقاسمتها جماعات مسلمة ومسيحية ويهودية، انتقلت وصفات الطعام بين البيوت، ودخلت محاشي الزيت في الرصيد المشترك للمائدة. لذلك يصعب اختزال الأطباق المطهوة بالزيت في حكاية اختراع داخل قصر، فجذورها تتصل أيضاً بالمواسم وتقاليد البيوت والصوم. وفي عام 1844، ضمّ كتاب "ملجأ الطباخين" (Melceü’t-Tabbâhîn) لمحمد كامل وصفات للمحاشي بالزيت والسمن. كما تكشف قوائم الولائم في مطلع القرن العشرين، وبينها قائمة عرس تعود إلى عام 1912 وأخرى للهلال الأحمر العثماني، حضور الأرضي شوكي (الخرشوف) والفاصولياء بزيت الزيتون.

في قلب هذا التراث، أجلس في مطعم شعبي بأحد حواري إسطنبول، أرشدني إليه صديق بلغاري قديم، وقال لي كلمتين: "جرّب الزيتينياغليلار". هذا ليس اسم طبق، إنما أسم سلسلة من الأطباق (Zeytinyağlılar) وتعني حرفياً "مطهو بزيت الزيتون". لكن هذا الاسم المتواضع يخفي وراءه فلسفة طهوٍ كاملة: خضارٌ تطبخ على نارٍ هادئةٍ جداً، بزيت زيتونٍ بكرٍ ممتاز، مع قليلٍ من الماء، ولمسة ملح توازن الحموضة، وعصير ليمونٍ يضيء النكهة. لا نار عالية، ولا استعجال. القدر يهمس على الموقد لساعةٍ أو ساعتين، والبخار يتصاعد ببطءٍ كأنه دعاءٌ صامت.

لكم أن تبدأوا بهذه الأطباق كما تشاؤون، لكنني أبدأها دائماً بطبق Zeytinyağlı Yaprak Sarması ، أو ورق العنب المحشو بالرزّ والمطهو بزيت الزيتون. في بلدتي، كما في البلدات المجاورة بجبل لبنان، ما زلنا نسمّيه الاسم التركي "يبرق". هنا، مع كل "يبرقة"، أتخيّل يدي جدّةٍ في حي أوسكودار، تجلس قرب نافذةٍ تطل على البحر، وبحركةٍ تتكرّر منذ 500 عام، ترص "اليبرق" صغيراً مشدوداً في القدر بعنايةٍ كأنّها جنودٌ في عرضٍ عسكري، ثم تسكب عليها الزيت والماء وعصير الليمون، وتتركها لتغلي غلياناً خجولاً حتى ينضج الرز وتذوب ورقة العنب في الفم.

في طبق İmam Bayıldı، أو "إمام فقد رشده"، الاسم وحده حكاية. تقول الأسطورة إنّ إماماً وقع مغشياً عليه حين ذاق هذا الطبق من فرط لذّته، أو ربّما من فرط كميّة زيت الزيتون التي استخدمتْ في طهوه. باذنجانٌ يشوى ثم يحشى ببصلٍ وثومٍ وطماطم مقلية بالزيت، ويترك في الفرن حتى يتشرّب كل النكهات.  بعده مباشرة، لقمة من طبق Zeytinyağlı Taze Fasulye، أو الفاصولياء الخضراء الطازجة التي تقطّع وتطهى ببطءٍ مع طماطم ناضجةٍ وبصلٍ مكرملٍ في بحرٍ من زيت الزيتون: لا لحم. لا مرق. لا دخيل. فقط خضار وزيت وصبر. هنا، يقال إنّ أفضل فاصولياء هي التي "تلمع كأنّها مطليّةٌ بالذهب"، وهذا اللمعان ليس إلّا الزيت البكر وقد تغلغل في كل خيطٍ من خيوط الفاصولياء. إلى جانبه، طبق Zeytinyağlı Barbunya، أو طبق الفاصولياء الحمراء التي كان أهل إسطنبول يحضّرونه في ليالي الشتاء الباردة على ضفاف القرن الذهبي وجبة عشاءٍ كاملة: فاصولياء حمراء تُطهى ببطءٍ شديدٍ في زيت الزيتون مع جزرٍ مقطّعٍ وبصلٍ، حتى يصبح المرق كثيفاً وناعماً.

ختام هذه المائدة "الملوكية" طبق Zeytinyağlı Enginar، أو الخرشوف بزيت الزيتون. إنه سيّد موائد ربيع إسطنبول: تُطهى قلوب الخرشوف مع بازيلاء خضراء وبطاطس وجزر، في زيت الزيتون وعصير الليمون. كان هذا الطبق يقدم في قصور السلاطين في موسم الخرشوف القصير، كأنّه هديةٌ من الأرض لا تتكرّر.

في البيت الإسطنبولي التقليدي، لا تقدم أطباق " زيتينياغليلار" فور خروجها من النار. لا. تترك في القدر حتى تبرد، ثم تنقل إلى طبقٍ مسطّحٍ واسع، وتزين بشرائح الليمون ورشّة بقدونسٍ طازج. توضع على المائدة إلى جانب الخبز الطازج والجبن الأبيض والزيتون الأخضر، لتكون نجمة المذاق.

اليوم، في مطاعم إسطنبول الحديثة، من أحياء جيهانغير العصرية إلى أزقّة بالفات القديمة، ما زالتْ الـ "زيتينياغليلار" تقدم بالطريقة ذاتها: باردةً، صابرةً، متواضعةً في مظهرها، عميقةً في جوهرها. وما زال زيت الزيتون البكر الممتاز يسكب بسخاءٍ في قاع القدر، كما سكب قبل خمسة قرونٍ في مطابخ القصور والبيوت على حدٍّ سواء.

View the original on النهار →

KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.