الاستقرار وتطبيق اتفاق الطائف أساس النهوض الاقتصادي
يشكل تحقيق الاستقرار الداخلي والسياسي مدخلا أساسيا لإخراج لبنان من أزماته المتراكمة، وتهيئة الظروف الملائمة لتعافي القطاعات الاقتصادية واستعادة قدرتها على الإنتاج والنمو. وفي هذا السياق، تبرز أهمية احترام اتفاق الطائف وتطبيق بنوده، بما يعزز انتظام عمل المؤسسات الدستورية، ويكرس مبادئ بناء الدولة على أسس وطنية، بعيدا عن الطائفية، مع اعتماد اللامركزية بما يساهم في تحسين الإدارة وتعزيز الإنماء المتوازن.
ويأتي حصر السلاح بيد الدولة وتسليمه إلى المؤسسات الشرعية في صلب متطلبات تثبيت الاستقرار، باعتباره أساسا لقيام دولة قادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها، وتوفير البيئة الآمنة اللازمة للنشاط الاقتصادي والاستثماري. فاستعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها تشكل خطوة ضرورية لإعادة تحريك عجلة الاقتصاد وفتح آفاق جديدة أمام مختلف القطاعات.
أما على الصعيد الاقتصادي، فإن خروج القطاعات الإنتاجية والخدماتية من أزمتها يتطلب معالجة مجموعة من التحديات المتداخلة، وفي مقدمها استقرار الأوضاع الداخلية وتسوية الأزمات الخارجية، ولا سيما العلاقات مع دول الخليج العربي، لما لها من أهمية في تنشيط المبادلات التجارية والسياحة والاستثمارات وتعزيز الصادرات اللبنانية.
كذلك، تبرز كلفة الطاقة وأسعار الفيول بوصفها من العوامل المؤثرة في قدرة المؤسسات على الاستمرار والإنتاج، في ظل الأعباء التشغيلية التي تواجهها.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى دور حكومي يواكب المؤسسات والقطاعات الاقتصادية خلال هذه المرحلة الصعبة، ليس بالضرورة عبر تقديم الدعم المالي المباشر، بل من خلال تجنب فرض أعباء ورسوم إضافية عليها، بما يمنحها هامشا لالتقاط الأنفاس وتجاوز المرحلة الراهنة. إن تضافر هذه الخطوات من شأنه أن يوفر مقومات الاستقرار والتعافي، ويعزز قدرة الاقتصاد اللبناني على استعادة نشاطه تدريجيا، وصولا إلى مرحلة أكثر استدامة من النمو والازدهار.
سعد أزهري عضو جمعية المصارف، ورئيس مجلس ادارة بنك لبنان والمهجر
سعد أزهري، رئيس مجلس ادارة مجموعة بنك لبنان والمهجر
معالجة الودائع القديمة مدخل أساسي للتعافي الاقتصادي في لبنان
يشكل ملف الودائع القديمة، المعروفة بالودائع غير الطازجة (Non-Fresh)، إحدى أبرز القضايا المالية العالقة في لبنان، في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية والمصرفية منذ نحو 7 سنوات، وما رافقها من تأخير في إقرار الحلول اللازمة لمعالجة تداعياتها.
وتبرز الحاجة إلى إقرار قانون واضح ومدروس يتيح معالجة هذا الملف بصورة عملية وقابلة للتنفيذ، بما يضمن وضع الأزمة على مسار الحل واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي.
وتتجه الأنظار إلى إمكانية إقرار القانون المرتقب في أوائل عام 2027، وفق التوقعات المتداولة، على أن يترافق ذلك مع منح مصرف لبنان الصلاحيات اللازمة لمعالجة الفجوة المالية القائمة، بالتعاون مع الحكومة ومجلس النواب. ومن شأن هذه الخطوة أن تشكل أساسا لإعادة تنظيم القطاع المصرفي وتمكينه من استعادة دوره الطبيعي في تمويل الاقتصاد وتحريك عجلة النشاط في مختلف القطاعات.
ولا تنفصل المعالجة المالية عن الوضع العام في البلاد، إذ يشكل الاستقرار السياسي والأمني عاملا أساسيا في تهيئة الظروف الملائمة للتعافي الاقتصادي. لذا من الأهمية التوصل إلى حلول سياسية وأمنية، تشمل معالجة مسألة الاحتلال وحصر السلاح، بما يسهم في تعزيز الاستقرار والثقة وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والنمو.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يشكل استمرار التحديات الأمنية عائقا أمام معالجة الملفات الاقتصادية والمالية، بل تبرز ضرورة العمل بالتوازي على المسارين، من خلال إقرار التشريعات المطلوبة ووضع الحلول اللازمة للأزمة المصرفية، بالتزامن مع السعي إلى تحقيق الاستقرار العام.
معالجة أزمة الودائع القديمة والفجوة المالية في مصرف لبنان، بالتوازي مع تحسن الأوضاع السياسية والأمنية، خطوات مترابطة يمكن أن تساهم في استعادة الثقة بالقطاع المصرفي، وإعادة تفعيل دوره في دعم الاقتصاد الوطني، وتهيئة الظروف اللازمة لعودة مختلف القطاعات إلى العمل بصورة طبيعية وتحقيق التعافي الاقتصادي المستدام.
وسيم ضاهر: رئيس مجلس ادارة مجموعة "أزاديا"، ورئيس مجلس الأعمال اللبناني الإماراتي
وسيم ضاهر، رئيس مجلس ادارة مجموعة
4 ركائز لإنقاذ لبنان: القضاء والكفاءة والرقمنة وإدارة الثروات
في ظل التحديات التي يواجهها لبنان اليوم، لا بد من التركيز على مجموعة من الإصلاحات الأساسية التي يمكن أن تساهم في بناء دولة أكثر استقرارا وعدالة، وتؤمن مستقبلا أفضل للأجيال القادمة.
أولا، لا بد من التأكيد على أهمية استقلالية القضاء، باعتبارها الركيزة الأساسية لبناء دولة القانون والمؤسسات. فالقضاء المستقل يضمن تطبيق القانون على الجميع من دون استثناء، ويعزز ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها، ويكرس مبدأ العدالة والمساواة بين جميع اللبنانيين.
ثانيا، من الضروري إعادة النظر في آلية التوظيف في القطاع العام، بحيث تكون الأولوية للكفاءة والخبرة، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، بعيدا عن المحاصصة والاعتبارات السياسية والطائفية. فالمطلوب ليس زيادة عدد الموظفين، بل تحسين نوعية الأداء ورفع مستوى الإنتاجية، بما يضمن إدارة أكثر فاعلية وقدرة على تلبية حاجات المواطنين.
ثالثا، تبرز أهمية رقمنة النظام الحكومي وتحديث الإدارة العامة، من خلال تحويل المعاملات في مختلف الوزارات والإدارات الرسمية إلى معاملات إلكترونية متاحة عبر الإنترنت. فمن شأن هذه الخطوة أن تسهل الإجراءات، وتختصر الوقت والتكاليف، وتحد من الاحتكاك المباشر الذي قد يفتح المجال أمام الرشاوى والفساد، بما يعزز الشفافية ويعيد الثقة بالإدارة العامة.
أما رابعا، فلا بد من إدارة قطاع النفط والغاز بطريقة شفافة ومدروسة، والاستعانة بشركات كبرى ذات خبرة وكفاءة، ضمن أطر قانونية واضحة تضمن حماية حقوق الدولة اللبنانية. ففي حال ثبوت وجود موارد قابلة للاستخراج تجاريا، يمكن لحسن استثمارها أن يشكل فرصة مهمة لتحريك الاقتصاد، وخلق فرص عمل، وتحسين الأوضاع المالية والمعيشية في لبنان.
في الختام، يبقى الأمل بأن تشكل هذه الإصلاحات خطوة حقيقية نحو بناء دولة قوية وعادلة، قادرة على حماية مواطنيها وتأمين حياة كريمة لهم، وأن يكون وطننا لأبنائنا وأحفادنا أفضل بكثير من الأيام التي مررنا بها، وأكثر أمنا واستقرارا وازدهارا.
سليم الزعني رئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين
سليم الزعني، رئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين
لبنان يحتاج إلى دولة قوية تحمي الاقتصاد والإنتاج
يواجه لبنان اليوم أزمات متشعبة ومتداخلة، لا يمكن حصرها في جانب واحد أو اختزالها في مسألة اتفاق الطائف وحده. فنحن أمام تحديات سياسية واقتصادية ومؤسساتية تتطلب مقاربة شاملة ومسؤولة، تضع مصلحة لبنان واللبنانيين فوق كل اعتبار.
وبالنسبة إلينا كصناعيين، فإن قيام دولة قوية وفاعلة ليس مجرد مطلب سياسي، بل هو شرط أساسي للنهوض بالاقتصاد الوطني. فلا يمكن بناء اقتصاد منتج، أو جذب الاستثمارات، أو تطوير الصناعة اللبنانية، في ظل غياب الاستقرار وتراجع الثقة بالمؤسسات وضعف تطبيق القوانين.
لذلك، فإن الأولوية يجب أن تكون لبناء دولة المؤسسات والقانون، القادرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها، وحماية الإنتاج الوطني، وتأمين بيئة اقتصادية مستقرة وعادلة لجميع اللبنانيين.
في النهاية، لا يكمن الحل في الخلاف حول النصوص والصيغ السياسية فحسب، بل في إرادة بناء دولة فعلية تكون مرجعيتها فوق الجميع، وتضع المصلحة الوطنية في مقدمة أولوياتها. فلبنان يحتاج إلى دولة قوية تحمي أبناءه واقتصاده، وتفتح أمام الأجيال المقبلة آفاقا أوسع للاستقرار والنمو والازدهار. في ما يتعلق باتفاق الطائف، هناك وجهات نظر متعددة حول ضرورة تعديله أو الاكتفاء بتطبيق بنوده. فثمة من يرى أن الاتفاق بات بحاجة إلى تعديلات تواكب التطورات التي شهدها لبنان، فيما يرى آخرون أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الاتفاق بحد ذاته، بل في عدم تطبيقه بالشكل المطلوب، رغم مرور نحو 4 عقود على إقراره.
من وجهة نظري، فإن تطبيق اتفاق الطائف، مع إمكانية إدخال تعديلات مدروسة عند الحاجة، قد يشكل جزءا من الحل، لكنه لا يكفي وحده لإخراج لبنان من أزماته. فالمشكلة الجوهرية تكمن في غياب الدولة القادرة على فرض سلطتها وسيادتها، وتفعيل مؤسساتها، وتطبيق القوانين على الجميع من دون استثناء.
* جان عبود، رئيس نقابة وكالات السياحة والسفر
جان عبود، رئيس نقابة وكالات السياحة والسفر
السلام ومواجهة "الدولة العميقة" مدخلان لاستعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني
الخروج من الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان اليوم يتطلب حلولا جذرية ومستدامة، فلم يعد ممكنا الاستمرار بسياسة الترقيع والمعالجات المؤقتة التي لم تنجح في إعادة الثقة بالبلد أو تحريك عجلة الاقتصاد بالشكل المطلوب. نحن بحاجة إلى رؤية واضحة تضع الاستقرار والأمن في مقدمة الأولويات، وتؤسس لمرحلة جديدة من التعافي والنهوض.
بالنسبة إلينا في القطاع السياحي، فإن تحقيق السلام المستدام يشكل شرطا أساسيا لاستعادة الحركة السياحية واستقطاب الزوار والسياح والمستثمرين. فالقطاع السياحي يتأثر بصورة مباشرة بالحروب والتوترات الأمنية، إذ لا يمكن لأي بلد أن يطور سياحته أو يحافظ على استمرارية مؤسساته السياحية في ظل غياب الاستقرار والشعور بالأمان. لذلك، نحن بحاجة إلى مناخ آمن ومستقر يتيح للبنان استعادة موقعه السياحي وتعزيز قدرته التنافسية في المنطقة.
لكن معالجة الأزمة لا تتوقف عند العامل الأمني وحده، فهناك تحديات داخلية لا تقل أهمية، أبرزها الفساد والاحتكارات وسيطرة بعض المصالح على قطاعات اقتصادية متعددة. ومن هنا، تبرز ضرورة مواجهة ما يُعرف بـ"الدولة العميقة"، التي تحد من قدرة الدولة ومؤسساتها على فرض القانون وإجراء الإصلاحات المطلوبة. فهذه المشكلة لا تقتصر على قطاع دون آخر، بل تمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، حيث تتداخل المصالح والاحتكارات ومظاهر الفساد، بما يعيق المنافسة العادلة ويحد من فرص النهوض والتطور.
المطلوب اليوم هو دولة فاعلة تحمي المؤسسات والمواطنين، وتضمن الشفافية وتكافؤ الفرص، وتطبق القانون على الجميع، وتوفر بيئة مستقرة تشجع الاستثمار وتدعم مختلف القطاعات الإنتاجية والخدماتية، وفي مقدمها القطاع السياحي الذي يشكل رافعة أساسية للاقتصاد اللبناني ومصدرا مهما لفرص العمل.
في النهاية، نطمح إلى سلام مستدام، ودولة قوية قادرة على مواجهة الفساد والدولة العميقة، وبيئة اقتصادية سليمة تعيد الثقة بلبنان وتفتح أمامه آفاق النهوض والازدهار، بما يضمن مستقبلا أفضل للأجيال القادمة.