رأي.. بارعة الأحمر تكتب: حين يتهاوى الوسط الفرنسي ويهدد الشارع الدولة

هذا المقال بقلم بارعة الأحمر، صحافية وكاتبة سياسية لبنانية، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأيها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.
لا يبدو المشهد في باريس مجرد احتجاجات اجتماعية خرجت عن السيطرة، بل أزمة دولة ونظام سياسي يتآكل تحت ضغط الغضب الشعبي والاستقطاب الحاد. فما بدأ بتحركات طلابية اتسمت في مراحلها الأولى بالطابع السلمي، سرعان ما اتسع إلى أعمال عنف كشفت هشاشة المؤسسات وطرحت أسئلة حول ما إذا كانت الدولة الفرنسية قادرة على احتواء غضب الشارع دون أن تدفع البلاد نحو مواجهة مفتوحة.
لا يتعارض التعاطف مع الطلاب الذين خرجوا دفاعاً عن حقهم في التعلّم مع رفض العنف والتخريب. فالغضب الاجتماعي مشروع في نظام ديمقراطي، لكن تحويله إلى أداة لتفكيك النظام العام لا يحقق للفرنسيين العدالة التي يطالبون بها، بل يفاقم شعورهم بانعدام الأمان ويدفعهم إلى البحث عن الأمن الذاتي، كما يقول بعض الذين نهبت متاجرهم.
المشكلة أعمق من قطاع التربية. فتراجع الخدمات العامة وتآكل القدرة الشرائية فجّرا في الشارع أزمة اقتصادية واجتماعية متراكمة. ووفق المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية، تقاضى نصف العاملين في القطاع الخاص عام 2024 أقل من 2190 يورو صافياً شهرياً، وهو مستوى من الدخل قد لا يكفي لتغطية الحاجات الأساسية في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة. وهذه الأرقام تفسّر جانباً من الاحتقان، لكنها لا تختزل أسبابه كلها.
سياسياً، تبدو فرنسا أمام مأزق الوسط الذي حكمها خلال السنوات الماضية. فالرئيس إيمانويل ماكرون يواجه تراجعاً في قدرة مشروعه الوسطي على استيعاب التناقضات الاجتماعية، فيما تتسع المساحة التي تتحرك فيها القوى اليمينية المتطرفة واليسار الراديكالي. ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027، تتحول الأزمة إلى اختبار لمستقبل النظام السياسي نفسه.
قد يهمك أيضاً
من رماد هذا الوسط يصعد الطرفان المتطرفان. مارين لوبن تعد بالنظام، وجان لوك ميلانشون يرفع شعار العدالة الاجتماعية. فيصبح الخوف من الفوضى وقوداً انتخابياً، ويتحول الغضب إلى مطرقة لتقويض المؤسسات، ويجد الفرنسيون أنفسهم أمام خيارين لا يعالجان بالضرورة جذور الأزمة. كما أن التفاوض الذي بدأته وزارة الداخلية مع قيادة اليسار الراديكالي لن يكون كافياً وحده لاحتواء الشارع، إذا بقيت الأسباب الاجتماعية والسياسية للاحتجاج قائمة.
والأخطر أن أي قرار بالاستعانة بالجيش، إذا ما طُرح فعلياً لضبط الاحتجاجات المرتقبة السبت المقبل، قد يفتح باباً لتصعيد يصعب احتواؤه. فالقوة قد تفرض هدوءاً مؤقتاً، لكنها لن تعالج الغلاء ولا الشعور بالتهميش، وما تحتاجه فرنسا هو استعادة سلطة القانون وحماية المواطنين، بالتوازي مع حلول سياسية واجتماعية قابلة للتنفيذ.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل الأزمة الفرنسية عن التحولات الأوروبية الأوسع. فالحروب المفتوحة في العالم وأمن الطاقة والضغوط على الموازنات العامة جعلت خيارات الحكومات أكثر صعوبة، فيما تستفيد القوى المناهضة للأنظمة الأوروبية من كل إخفاق لتوسيع نفوذها. وفي هذا المناخ، قد تخدم الانقسامات الأوروبية مصالح موسكو، من دون أن يعني ذلك ثبوت التدخل الروسي المباشر في كل أزمة منها. كما أن التباينات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين تزيد الحاجة إلى استقلالية استراتيجية أوروبية أكثر تماسكاً.
ليست فرنسا بالضرورة على حافة حرب أهلية، لكن تجاهل مؤشرات التفكك الاجتماعي والسياسي قد يجعل احتواء الأزمة صعباً. فالاختبار الحقيقي ليس قدرة الدولة على تفريق المتظاهرين، بل على حماية المواطنين. والسؤال الذي تواجهه فرنسا اليوم لا يقتصر على من سيحكمها في السنوات المقبلة، بل يمتد إلى ما تبقّى من ثقة الفرنسيين بدولة تبدو عاجزة حتى الآن عن احتواء الانقسام والعنف ومنع تفاقمهما.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.