صهيل الخيل ومطر الخريف وجمهور يتزاحم على الفرح... بعلبك ترفض الموت
تجلس في المقاهي المقابلة لقلعة بعلبك الأثرية، فتشمّ رائحة المطر الأولى وهي تمتزج بغبار الشارع الذي أثقلته شهور من القلق وأخبار الحرب والجنوب.
أما الناس الذين تدفقوا نحو المساحة الممتدة من مطعم "بالبعلبكي" نزولاً حتى أعتاب كنيسة "سيدة المعونات"، فجاؤوا يفتشون عن أوكسجين حيوي يخرق جدار العتمة.
كأن بعلبك، بعد طول صمت، قررت أن تخلع ثوب الانتظار، وتفرض معادلتها الخاصة على الواقع: الفرح هنا ليس ترفاً، بل حاجة يومية للصمود.
لم ترقص أعمدة القلعة هذا العام كما كانت تفعل في أزمنة المهرجانات الكبرى، لكن أسوارها الحجرية الشامخة كانت حاضرة، تقف كالدرع وهي تشهد على أملٍ زرعه شبان "أولاد بعلبك" بشجاعة.
انطلقت "الليالي البعلبكية" برعاية البلدية وتنظيم شركة "فينكس برودكشن"، وبحضور مجاني كامل للمواقف والدخول، في خطوة كرّست مبدأ أن "الفرح حقٌ عام لا يُباع ولا يُشترى".
أكثر من ثلاثة آلاف ومئتي شخص ملأوا الساحة. في الليلة الأولى اعتلى الفنان ابن بعلبك مجد الفوعاني المسرح ليغني للناس والمدينة، فيما قدمت فرقتا "جذور" و"شمس بعلبك" لوحات تراثية، ليتوج المشهد بعرض للخيل البعلبكية، كل ذلك جرى وسط انضباط وتنظيم ميداني أمنته وحدات الجيش اللبناني وشرطة البلدية، والدفاع المدني ليُعيد إلى الأذهان طمأنينة السهر وأمان اللقاءات التي افتقدتها بعلبك.
"الفرح ليس خيانة"
ولم تخلُ المنصة من مواجهة الأسئلة الصعبة التي تتردد في كل منزل، إذ وقف المدير التنفيذي لليالي الدكتور علي الطقش ليخاطب الجمع: "ليش في حفلة وبلدنا موجوع؟" جازماً بأن هذا الفرح ليس خيانة لوجع الجنوب ولا قفزاً فوق الألم، بل هو دليل على أن الألم لم يكسر الإرادة، وأن الأعداء لن يحددوا لهذه الأمة كيف تعيش".
صمود ثقافي
إلى ذلك، أكد رئيس البلدية المحامي أحمد الطفيلي ورئيس لجنة الثقافة الدكتور علي حسن، أن "بعلبك ستبقى قاهرة الغزاة وحارسة الكرامة"، وأن "هذه الفاعليات لا تُعبر فقط عن الصمود الثقافي، بل تحرك العجلة الاقتصادية للمقاهي والمحلات التي خنقتها الأزمة".
وتستمر الحيوية في الليلة الثانية مع أمسية شعرية لـ"مجلس بعلبك الثقافي" وعرض كوميدي لعلي المصري، يعقبه أداء شبابي واعد لفرقة "عُكاظ" بقيادة المايسترو كريم وهبي، ونبض الحديث مع "DJ AMIR"، وعروض الأضواء لفرقة "عروس البقاع" مع شربل داغر.
فيما ينتظر الجمهور ختاماً يمزج الشعر والتراث مع الشاعر بلال عبدالله، والفنانين ربيع العمري وحيدر زعيتر وفرقة "حنجلة"، وصولاً إلى صدى صوت الفنان روني كسر وفرقته.
ولم تكن هذه المشهدية وليدة الصدفة، إذ يتوقف رئيس مجلس إدارة شركة "فينكس برودكشن" للإنتاج الفني المهندس علي الططري، عند القوة الخفية التي حركت الشارع، مؤكداً لـ "النهار" أن هذه الليالي تُعبر عن " حركة عفوية علٌها تخفف عن أهلنا، ولو بنسبة بسيطة، الحزن والألم ومآسي الموت والدمار".
ويضيف بلغة تُلامس الواقع: " هذه السنة لم ترقص وتغنِّ أعمدة القلعة، ولكن أسوارها ومعالمها حاضرة فينا ومعنا، مجموعة من شباب بعلبك بالتعاون مع البلدية، أرادوا التعبير عن رغبتهم بأن يزرعوا الأمل مرة جديدة في قلب بعلبك والبعلبكيين، فكان من واجبنا المساعدة في التنظيم والإخراج بأفضل طريقة ممكنة".
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.