الحوثيون يستهدفون عصب الاقتصاد السعودي... أين الخسارة الأكبر؟
أربعة مليارات دولار، قيمة طائرات تسعى شركات إلى إخراجها من مطار الملك خالد الدولي في الرياض. الرقم ليس خسارة محققة، لكنه يكشف حجم المخاطر الاقتصادية التي تفرضها الهجمات الحوثية على السعودية، بعدما امتدت تداعياتها من حركة الطيران إلى السياحة والاستثمار، وسط تهديد مستمر للمنشآت النفطية وطرق التصدير.
وتكمن خطورة هذه المواجهة في أن كلفتها الاقتصادية قد تتراكم حتى من دون إصابات جديدة، مع اضطرار الشركات إلى اتخاذ إجراءات احترازية وتعديل خطط أعمالها. لكن حجم الضرر يختلف بين القطاعات، وكذلك قدرة كل منها على التعافي.
الطيران... فاتورة بمليارات الدولارات
تكشف بيانات شركة Cirium لتحليل حركة الطيران حجم الاضطرابات التي أصابت المطارات السعودية. فقد أُلغيت أو صُنفت بأنها غير مشغّلة 3129 رحلة مغادرة من أصل 7705 رحلات مقررة بين 8 و14 تشرين الأول/أكتوبر، أي نحو 40.6%، وفق رصد أُنجز مساء 13 تشرين الأول وشمل الرحلات المجدولة لليوم التالي.
وبلغت الاضطرابات ذروتها في 12 تشرين الأول، عندما تأثرت 632 رحلة من أصل 1048، بنسبة تجاوزت 60%.
ووفق صحيفة "وول ستريت جورنال"، تضررت ست طائرات تبلغ قيمتها التأمينية الإجمالية نحو 375 مليون دولار، فيما انخفض عدد الطائرات الموجودة في مطار الرياض من 134 إلى 38 بحلول الأربعاء.
وتثير هذه الأضرار مخاوف شركات التأمين من استمرار الهجمات، خصوصاً مع اقتراب تجديد وثائق تغطية مخاطر الحرب لدى شركات طيران كبرى الشهر المقبل، وما قد يرافق ذلك من ارتفاع في الأقساط.
وامتدت التداعيات إلى خطط التوسع، إذ أجّلت شركة "دلتا" الأميركية إطلاق رحلاتها المباشرة بين أتلانتا والرياض من 23 تشرين الأول/أكتوبر إلى آذار/مارس 2027، فيما علّقت شركات دولية أخرى رحلاتها إلى المملكة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية بالنظر إلى حجم قطاع النقل الجوي السعودي، الذي استقبل 140.9 مليون مسافر خلال 2025، بينهم 75.8 مليون على الرحلات الدولية. واستحوذ مطار الملك خالد وحده على 40.8 مليون مسافر، وفق الهيئة العامة للإحصاء.
أما التداعيات على السياحة، فتبرز أهميتها في ضوء إنفاق السياح المحليين والوافدين نحو 304 مليارات ريال (81.1 مليار دولار) خلال 2025، منها 176.6 مليار ريال (47.1 مليار دولار) أنفقها القادمون من الخارج.
ومع استمرار اضطراب الرحلات، تواجه الفنادق وشركات السياحة وخدمات الشحن احتمالات تراجع الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل، فيما قد يتطلب استعادة الحركة الطبيعية وقتاً أطول من إعادة فتح المطارات.

خزانات وقود في منشأة تابعة لأرامكو قرب مطار الملك خالد الدولي بالرياض، عقب حريق في 19 أيلول/سبتمبر 2026. (أ ف ب)
النفط والاستثمار... المخاطر الأبعد مدى
في قطاع النفط، ألحق الهجوم على المقر الإداري لشركة "أرامكو" في الظهران، في 13 تشرين الأول/أكتوبر، أضراراً بعدة طوابق، لكن عمليات الشركة استمرت بصورة طبيعية، وفق مصادر نقلت عنها "رويترز".
غير أن تعرض خط الأنابيب السعودي شرق-غرب لهجوم بمسيّرات في أيلول/سبتمبر الماضي، أدى إلى تضرر إحدى محطات الضخ قبل استئناف العمليات خلال أيام، يوضح حساسية البنية التحتية النفطية.
وفي مقابلة مع "رويترز"، كشف الرئيس التنفيذي لـ"أرامكو" أمين الناصر أن الشركة عززت فرق الاستجابة السريعة ومخزون قطع الغيار، وأصبحت تستخدم المسيّرات لتقييم الأضرار. وأوضح أن نحو 90% من المواد اللازمة للإصلاحات تُنتج محلياً أو تُخزّن في مستودعات قريبة.
وتواجه صادرات الخام تحدياً إضافياً مع استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، ما دفع المملكة إلى الاعتماد على خط الأنابيب شرق-غرب لنقل النفط إلى موانئ البحر الأحمر. لكن التهديدات للملاحة قرب باب المندب تضع هذا البديل أمام مخاطر أمنية، دفعت "أرامكو"، بحسب الناصر، إلى دراسة مسارات تصدير أخرى.
وفي القطاع المالي، أتاحت مؤسسات عالمية، بينها "جيه بي مورغان" و"دويتشه بنك" و"سيتي"، لموظفيها في المملكة العمل من المنازل، فيما أغلقت شركة الاستثمار الأميركية "فرانكلين تمبلتون" مكتبها في الرياض موقتاً.
كما أفادت "رويترز" بأن السعودية تتجه إلى إتاحة المشاركة عن بُعد في مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار"، المقرر بين 26 و29 تشرين الأول/أكتوبر، بعدما أعاد بعض المشاركين النظر في خطط سفرهم.
ووصلت التداعيات إلى الفعاليات الرياضية، مع إعلان تأجيل بطولة السعودية الدولية للغولف إلى أجل غير محدد، الجمعة 16 تشرين الأول. وكانت مقررة بين 18 و21 تشرين الثاني/نوفمبر، بجوائز تبلغ خمسة ملايين دولار.
وتُثير هذه التطورات تساؤلات حيال انعكاس المخاطر الأمنية على قرارات الشركات الأجنبية، في وقت تسعى الرياض إلى استقطاب استثمارات ضخمة ضمن "رؤية 2030". فارتفاع تكاليف التأمين والحماية واحتمال تعطل الأعمال قد يدفعان المستثمرين إلى إعادة تقييم توقيت بعض المشاريع وجدواها الاقتصادية.
في المحصلة، يتحمل قطاع الطيران حالياً الضرر التشغيلي الأكثر وضوحاً وقابلية للقياس، فيما يظل النفط مصدر الخطر الأكبر على الإيرادات إذا تعطلت منشآت الإنتاج أو التصدير. أما الاستثمار، فيواجه احتمال تداعيات أطول أمداً، تتوقف على مدة التصعيد وقدرة السعودية على ضمان استمرارية النشاط الاقتصادي.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.