صولا!
رِجعِت أصالة عالشام... فوجدت من يريد أن يستخرج من حنجرتها بياناً حكومياً، ومن يتعامل معها كأنها آخر أرتال الغزو. وبين ذا وذاك، كاد حفل غنائي أن يتحوّل إلى مؤتمر تأسيسي: صار للانفتاح مطربة، وللتشدّد جهاز إنذار يعمل على صوت امرأة... وصوتها عورة والعياذ بالله!
لأصالة الحق في العودة والفرح والغناء في مدينتها، ولها موقفها من بشار الأسد اتخذته حين كانت المعارضة مكلفة، وحين كان بعض زملائها يتدرّب على أداء النشيد الملائم أمام الصورة الملائمة. عودتها بعد نحو 15 عاماً حدث يستحق الاحتفاء. لكن، هذا كله لا يحول حنجرتها إلى مؤسسة انتقالية، ولا يجعل الحفل استفتاءً على تعافي سوريا من محنها. لقد بالغت وزارة الثقافة في الاحتفاء، حتى بدا أن المطلوب من أصالة مصالحة المجتمع، وطمأنة الخارج، وإثبات أن "الماضي الجهادي" صار أثراً بعد عين.
في المقابل، بالغ المتشدّدون في اعتراضهم، فوصلت الاعتراضات إلى تمزيق إعلانات الحفل وإحراقها، حتى خُيّل للمرء أن الدولة السورية تقف على مسافة "آه" واحدة من الانهيار. يا لهذه الحساسية المرهفة: يستطيع بلد أن يتحمل كل هذا الخراب، لكن يصعب على بعض حرّاس الفضيلة أن يتحملوا صوت الأصالة. لهم، بالطبع، الحق في إغلاق آذانهم، لكن المشكلة تبدأ حين يقتنعون أن لآذان الآخرين حجج مسجلة باسمهم في "الطابو".
تكشف الضجة تصدّعاً يتجاوز المزاج الشامي إلى البيئة التي خرجت منها نواة الحكم. فبعض مَن ساروا خلف القائد أحمد الشرع إلى دمشق وجدوه مواصلاً إلى مكان آخر: ما زالوا يراجعون دفتر المحرّمات، فيما يراجع هو جدول مواعيده الديبلوماسية. انتقل الرئيس إلى لغة الدولة ومصالحها، لكن بقي بين أنصاره من يتمسك بـ "اللغة الفصائلية". وحفل أصالة محطة في هذا المسار، سبقها مشهد مصافحة الشرع دونالد ترامب، واللقاءات مع الإسرائيليين، وأخرها لقاء أسعد الشيباني رئيس الموساد. تتراكم التحوّلات، فيغدو الحفل مناسبة لتسديد حسابات أقدم من إعلانها. في أي حال، مواجهة أغنية أسهل من مناقشة موقع سوريا في النظام الإقليمي، وتمزيق ملصق ممكنٌ، أما خريطة سوريا فإن ترامب راعيها.
سوريا – أصالة هي القميص التي يريد الشرع ارتداءها أمام العالم: بلد يغنّي، يفاوض، يصلح للاستثمار. قميص مدني أنيق تختفي تحته أسئلة الجسد. وفي حسابات العواصم الباحثة عن الاستقرار، تبدو هذه الصورة مرغوبة. غير أن نجاح "الترزي" لا يثبت جمال الجسم، مهما أحسن اختيار القماش الفضفاض. الامتحان الحقيقي لهذا الانفتاح يأتي عندما يعلو صوت لا يُطرب الحاكم. يستطيع الوزير أن يصفّق لمطربة عارضت الأسد، والأهمّ أن يحتمل مواطناً يعارضه هو. عندها، يصبح للحرية معنى يتجاوز فترات الاستراحة بين الأغاني.
ثم هناك سوريا التي لا تظهر جيداً في الصفوف الأولى في الحفل: سوريا من يبحثون عن مفقود، أو سقف، أو دخل يكفيهم لآخر الشهر، أو شفاء من إصابة بليغة سببها براميل الأسد. لا تختصرها صور الوزراء والوجوه اللامعة، ولا ينوب عنها جمهور القاعة، مهما كان فرحه صادقاً. شباك التذاكر لا يهتم لمن يدفع ثمن هذه الثورة؛ إنما يهتم لمن يستطيع دفع ثمن هذه السهرة. وهنا يصبح السؤال الإنساني أشدّ إزعاجاً من السؤال الفقهي. فحتى إعلان تخصيص نصف عائدات الحفل للأعمال الخيرية لا يُغلق هذا السؤال، ومن حق المتضرّرين أن يكونوا أصحاب مكان في سوريا الجديدة، لا أن يظهروا دائماً في خانة المستفيدين من إحسانها. ومن حقهم الفرح أيضاً؛ فمن نجا من الموت ليس ملزماً بقضاء الباقي من عمره في مجلس عزاء.
أخيراً... هل استحقّت أصالة كل هذا الصخب؟ صوتها جميل، لكن المأساة السورية أطول من حفل غنائي لـ 14 محافظة سورية، وأثقل من حنجرة صدّحة. والمضحك، حتى الاختناق، أن يتفق المتخاصمون على سماع صوت أصالة، مدحاً أو تحريماً، فيما يبقى صوت السوري العادي محتاجاً إلى "إذن".
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.