من "بربري" إلى "ماكوين".. علامات نجحت وأخرى تعثرت في التعامل مع إرثها

(CNN)-- كيف تحافظ دار أزياء يعود تاريخها إلى 170 عامًا على حضورها المعاصر؟ تكمن الإجابة ربما في التمييز بين البناء على الإرث والاستناد إلى الحنين للماضي.
في عرض علامة "بربري" الذي اختتم جدول عروض أسبوع الموضة في لندن، قدمت أقدم دار أزياء فاخرة في بريطانيا، بقيادة مديرها الإبداعي دانيال لي، رؤية تؤكد أن الإرث يمكن أن يكون نقطة انطلاق للتجديد، لا مجرد استعادة للماضي.
وجاءت المجموعة الجديدة ثمرة تعاون مع مصممة المنسوجات البريطانية سيليا بيرتويل، إحدى أبرز الأسماء المرتبطة بتصاميم المنسوجات الجريئة والحيوية في ستينيات القرن الماضي.

وبدا تأثيرها واضحًا في نقوش الأزهار، التي جمعت بين أزهار الميموزا الصفراء الزاهية والأغصان المتشابكة، لتضفي حيوية على الخيمة البيضاء التي احتضنت العرض أمام كلية تشيلسي للفنون.
واعتمد دانيال لي قصّات فضفاضة ومنسدلة، إلى جانب الحرير والقطن المغسولين، ليمنح القطع طابعًا خفيفًا ومعاصرًا وسهل الارتداء.
وفي الوقت عينه، حافظت المجموعة على الجانب العملي المتجذر في هوية العلامة، من خلال إطلالات متعددة الطبقات صُمّمت لتوفير المرونة اللازمة لموسم الربيع وتقلباته، بما فيها زخات المطر التي تميز أجواء أبريل/نيسان.

هنا، لم تتعامل العلامة مع ماضيها بوصفه أرشيفًا تستعيده، بل كمادة يمكن إعادة صياغتها بلغة عصرية. وبتأثير من رؤية بيرتويل، بدا نقش "بربري" الشهير، الذي اتخذ في بعض الأحيان طابعًا حادًا وصلبًا، أكثر نعومة، واقترب من مظهر مربعات الـ"غينغهام" الهادئة.
في المقابل، أضافت المصممة لمسة أكثر مرحًا وخروجًا على المألوف من خلال مجموعة من الإطلالات التي حملت وجوهًا مبتسمة بألوان صارخة، استُعيدت من أرشيفها الخاص.

وفي الكواليس بعد العرض، تحدث دانيال لي عن الجانب العاطفي الذي يحرك اختيارات المستهلك في عالم الأزياء، موضحًا أن اقتناء قطعة ما لا يرتبط دومًا بالحاجة إليها، بل في الرغبة في امتلاكها. فتنورة مزينة بأزهار الميموزا ليست قطعة أساسية بالضرورة، لكن قد تنشأ الرغبة باقتنائها بسبب الإحساس الذي تمنحه.
وقال إن القطعة الفاخرة ليست منتجًا ضروريًا، بل ترتبط بالعاطفة، موضحًا أن هدفه هذا الموسم كان تقديم ملابس تبدو مستعملة وغير مثالية. وانعكس ذلك خصوصًا على تصاميم معطف "ترنش" الكلاسيكي، التي ظهرت بنسخ أكثر نعومة، مع تفاصيل مجمعة وانتفاخات وتجاعيد متعمدة.

وفي السياق نفسه، تبدو "بربري" أكثر وضوحًا في علاقتها بتاريخها، من خلال حملات تستعيد أجواء الريف البريطاني، ومعرض مصغّر في متحف فيكتوريا وألبرت في لندن يحتفي بمعطف الـ"ترنش" الشهير. وفي الوقت نفسه، يضيف دانيال لي وفريقه لمسات من المرح إلى القطع العملية التي تشكل أساس هوية الدار.
ويبدو أن هذا النهج بدأ ينعكس على أداء العلامة، إذ ارتفعت مبيعات التجزئة بنسبة 5%، وهي نسبة تكتسب أهمية في ظل التحديات التي يواجهها قطاع السلع الفاخرة.
ولا تقتصر هذه المعادلة على العلامة البريطانية، إذ تتولى مجموعة من المصممين الشباب اليوم مسؤولية إعادة صياغة هوية دور أزياء تاريخية، في محاولة للجمع بين إرثها ومتطلبات الحاضر. وينتمي دانيال لي، البالغ من العمر 40 عامًا، إلى جيل مصممين تولوا مسؤولية إعادة تنشيط دور أزياء تاريخية، في محاولة لجذب جيل جديد من المتسوقين.

فيقدم المصمم الفرنسي-البلجيكي ماثيو بلازي، البالغ من العمر 42 عامًا، مثالًا على ذلك لدى دار "شانيل" الفرنسية، حيث يعيد صياغة هوية الدار بأسلوب معاصر وحيوي. كما يعمل الإيرلندي جوناثان أندرسون، البالغ من العمر 41 عامًا، لدى دار "ديور" الفرنسية على الموازنة بين استعادة عناصر من تاريخ الدار والتصاميم الحديثة.
وهذه المعادلة يتبناها أيضًا الأمريكي مايكل رايدر، البالغ من العمر 45 عامًا، في علامة "سيلين" الفرنسية، فيما تتجه الأنظار إلى المصممة البريطانية غريس ويلز بونر، البالغة من العمر 35 عامًا، وما ستقدمه في عالم أزياء الرجال لدى دار "هيرميس" الفرنسية، في مجموعتها الأولى للدار العام المقبل.
ومع ذلك، لا تضمن هذه المعادلة نجاحًا مستمرًا؛ فإعادة تنشيط إرث طويل ليس بالمهمة السهلة، وقد يتحول الارتباط القوي بالماضي من مصدر قوة إلى عائق أمام بناء هوية معاصرة.
تظهر المشكلة حين تعجز دور الأزياء ومصمموها عن إيجاد طريق يتجاوز الحقبة التي بلغت فيها العلامة ذروة حضورها. وربما يفسر ذلك تراجع صدى بعض العلامات المرتبطة بقوة بحنين تسعينيات القرن الماضي، مثل "ألكسندر ماكوين" البريطانية و"كالفن كلاين" الأمريكية، بالتزامن مع تراجع إيراداتهما.
يصعب فصل "ماكوين" عن إرث مؤسسها ألكسندر ماكوين ووفاته المأساوية، ما يجعل الموازنة بين تكريم هذا الفصل من تاريخ الموضة ودفع الدار نحو المستقبل مهمة معقدة. أما انتقالها من باريس إلى لندن هذا الموسم، فقد أثار الاهتمام، لكن يبقى التساؤل حول ما إذا كانت المجموعة تجاوزت استعادة الحنين إلى الماضي.
أما "كالفن كلاين"، فلا تزال تواجه صعوبة في الحفاظ على صلة واضحة بإرثها وهويتها. فقد أرست الدار ملامح نوع من البساطة التي تتبناها اليوم أسماء أخرى بأساليب أكثر حضورًا، فيما اختُزلت هوية العلامة تدريجيًا إلى مرجع بصري يستحضر صورة كارولين بيسيت-كينيدي.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.