تجارة إنسان الغاب في الهند تهدد التنوع البيولوجي والأنواع النادرة
خمسة من صغار إنسان الغاب، لم تتجاوز أعمارها ثمانية أشهر، عُثر عليها متروكة في مزرعة بولاية أوديشا شرقي الهند في أيلول/سبتمبر الماضي. بدت غريبة عن المكان، فموطنها الطبيعي يبعد آلاف الكيلومترات، في غابات بورنيو وسومطرة. لكن الحادثة ليست مجرد عملية تهريب لحيوانات نادرة، إنما هي مؤشر إلى تجارة منظمة عابرة للحدود، تستنزف التنوع البيولوجي، وتكشف ثغرات في الرقابة على الحيوانات المستوردة.
وفق تحقيق نشرته وكالة "أسوشيتد برس"، تتزايد أهمية الهند وجهةً للحيوانات البرية الغريبة، مدفوعة بطلب مقتنين أثرياء ينظر بعضهم إليها بوصفها رمزاً للمكانة الاجتماعية. وتقدّر دراسة لباحثين في جامعة سنغافورة الوطنية، صدرت عام 2026، قيمة التجارة العالمية غير المشروعة بالأحياء البرية بنحو 34 مليار دولار سنوياً.
غير أن الحيوانات المصادَرة لا تمثل سوى جزء من حركة يصعب تقدير حجمها الحقيقي. ويقول سنان سرحدلي، من مركز معلومات إنسان الغاب في إندونيسيا، إن الهند أصبحت الوجهة الأولى لتجارة الرئيسيات الحية، فيما تسهّل الرحلات الجوية المباشرة من مدن آسيوية نقل الحيوانات بسرعة أكبر.
خسارة تتجاوز الحيوان
لا يعيش إنسان الغاب برياً إلا في جزيرتي بورنيو وسومطرة. وتُقدّر أعداده في الطبيعة بنحو 119,500، بحسب الصندوق العالمي للطبيعة، فيما تواجه أنواعه خطر الانقراض الحرج. ويؤدي دوراً أساسياً في تجديد الغابات الاستوائية، إذ ينقل البذور عبر مسافات واسعة، فتتكاثر الأشجار التي تخزن الكربون وتساعد في إبطاء الاحترار العالمي.
ضُبط صغيران من إنسان الغاب داخل صندوقين في الهند عام 2022، وعُثر على حالات أخرى عامَي 2023 و2024
لهذا، لا تقتصر كلفة الاتجار بصغير واحد على فقدانه من موطنه. فانتزاع الصغار غالباً ما يرتبط بقتل أمهاتها، كما يرجّح الخبراء في حالة صغار أوديشا الخمسة. وتحتاج هذه الحيوانات إلى رعاية أمهاتها سنوات طويلة قد تصل إلى تسع، ما يجعل فصلها المبكر صدمةً سلوكية وبيئية ويعقّد إعادة تأهيلها وإطلاقها في البرية.
وتكشف الوقائع تكرار الظاهرة: فقد ضُبط صغيران من إنسان الغاب داخل صندوقين في الهند عام 2022، وعُثر على حالات أخرى عامَي 2023 و2024. كذلك صودِر ما لا يقل عن 23 من قرود الجيبون في مطارات هندية عام 2025، وضبطت السلطات المصرية في أيار/مايو 2026 ثلاثة صغار شمبانزي مخدّرة كانت متجهة إلى الهند.
ثغرات قانونية ومسارات جديدة
صُمّمت تشريعات حماية الحياة البرية الهندية تاريخياً لحماية الأنواع المحلية، بينما ظلت مراقبة الحيوانات المستوردة أقل إحكاماً. وفي عام 2020 أُتيح لأصحاب الحيوانات الغريبة تسجيلها من دون إثبات منشئها، قبل تشديد القانون عام 2022. لكن نقص المفتشين والخبرات المتخصصة يتيح، وفق باحثين، احتمال إدخال حيوانات مهربة ضمن مجموعات حيوانية مسجلة بصورة قانونية.
وتُظهر بيانات اتفاقية "سايتس" المنظمة للتجارة الدولية بالأنواع المهددة أن الهند استوردت 41 من إنسان الغاب بين 2021 و2024، رغم القيود الصارمة على الاتجار التجاري بهذه الحيوانات. وتثير هذه الواردات أسئلة بشأن صحة ادعاءات تربيتها في الأسر، لا سيما مع تنوع مسارات النقل الجوي والبري عبر جنوب شرق آسيا.
محميات خاصة تحت التدقيق
امتدت الأسئلة إلى منشأة "فانتارا" الخاصة، المرتبطة بعائلة الملياردير الهندي موكيش أمباني، التي تضم أكثر من 150 ألف حيوان من نحو ألفَي نوع. وقد برّأتها المحكمة العليا الهندية عام 2025 من اتهامات الاتجار غير المشروع وإساءة معاملة الحيوانات، إلا أن منظمات حماية دولية تطالب بمزيد من الشفافية حول مصادر الحيوانات المستوردة. وكانت 27 منظمة قد دعت المنشأة في أيلول/سبتمبر إلى وقف استيراد الحيوانات البرية، وأبدت قلقها إزاء اقتناء عشرات آلاف الحيوانات خلال فترة قصيرة. وفي المقابل، ساهمت المنشأة في علاج إنسان غاب أُعيد إلى إندونيسيا في 19 تشرين الأول/أكتوبر.
ويبرز الجدل خصوصاً حول وجود إنسان غاب من نوع «تابانولي» النادر ضمن سجلات المنشأة. فهذا النوع لا يتجاوز تعداده البري 716 فرداً، وتُظهر سجلات تجارية وصول حيوان منه من إندونيسيا إلى الهند مروراً بالإمارات عام 2024. ولم تؤكد السلطات الإندونيسية بعد هويته أو مشروعية انتقاله، وأعلنت ضرورة فحص الوثائق والأدلة العلمية.
وفيما تسعى إندونيسيا لاستعادة صغار أوديشا، تتضح المعضلة البيئية: إنقاذ الحيوان بعد تهريبه مهم، لكن حماية الغابة تبدأ بمنع اقتلاعه منها، وملاحقة شبكات التجارة والتحقق من منشأ كل حيوان قبل وصوله إلى قفص جديد.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.