متاهات عراقية في ليل أميركي طويل
حين أُستبيحت بغداد في التاسع من نيسان/ أبريل عام 2003 صدم الجنود الأميركان البوابة الحديدية الشاهقة لمتحف الآثار بدبابة فسقطت. كان ذلك عملاً مدبراً.
احتلال العراق لا يعني شيئاً من غير العبث بتاريخه. ما كان أحد في علاوي الحلة وهي المنطقة التي يقع فيها المتحف، يفكر في سرقة شيء منه لولا أن الرعاع شاهدوا الجنود الأميركيين وهم يخرجون من المتحف حاملين لقى ذهبية ونفائس. حين دخلت جموع اللصوص إلى المتحف كانت قوات الاحتلال لا تزال تقف عند البوابة كما لو أنها تشرف على إحدى أسوأ اللحظات في تاريخ العراق الحديث.
حدث يعيد إلى الذاكرة ما جرى عام 1258 حين استباح المغول بغداد أربعين يوماً. فبالتزامن مع سرقة متحف الآثار، نٌهبت مقتنيات مركز صدام للفنون التي هي عبارة عن أعمال فنية تعود إلى مختلف المراحل والجماعات الفنية بدءاً من الرواد حتى مرحلة ما قبل الاحتلال. كما سرقت محتويات دار الكتب والوثائق التي تضم آلاف المخطوطات العربية القديمة وفي الوقت نفسه أحُرقت أجزاء من المكتبة الوطنية.
حين بنى عراقيون في الماضي بيوتهم في الناصرية بطابوق أور وفي الحلة بطابوق بابل، فإنهم لم يفكروا في السطو على الآثار ولا في تجريف التاريخ. لم يكن في إمكانهم أن يفكروا في أنهم يبنون بيوتهم المتواضعة بالنفائس التي هي واحدة من أعظم ما اجترحته مخيلة أجدادهم من معجزات. ما لم يكونوا على علم به أن بيوتهم صارت أشبه بمناجم الذهب. تلك حكاية عفى عليها التاريخ وضاع أثرها. غير أن اللصوص الذين سُمح لهم بسرقة محتويات المتاحف الحديثة كان بعضهم يعرف قيمة الأشياء التي استولى عليها.
أما حين سرب تنظيم "داعش" عام 2014 الفيلم الذي يظهر فيه أفراده وهم يهدمون واحداً من الثيران الآشورية المجنحة، فقد أدرك العالم كله أن أولئك الإرهابيين يكملون ما بدأه الأميركيون قبل عشر سنوات من عمليات تخريب للآثار ومحو للتاريخ، والدليل على ذلك أن قوات الاحتلال لم تتحرك لمنع تلك الجريمة التي لم تقع خفية على رغم أنها لم تكن بعيدة عن الموقع.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.