هل ننتظر إشارات من "حزب الله"؟
دار سجال بدا في بعض وجوهه كوميدياً بين إعلاميي الممانعة وناشطوها في مواقع التواصل الاجتماعي وبين خصومها، قبل سقوط تلة علي الطاهر في جنوب لبنان في أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي وبعده. سجال يكشف حال الانقسام الداخلي على مسألة جوهرية بحجم احتلال إسرائيل جزءاً معتبراً من الأرض اللبنانية وتدمير عشرات القرى وتهديد أخرى، لكنه يعكس أيضاً حال الخواء السياسي والفكري لدى نماذج متعددة الاتجاه تضع نفسها في منظومة قادة الرأي والتفكير والتأثير.
مهمة الشرح والتبرير
انكفأ "حزب الله" خلال الأيام الأخيرة عن الساحة الإعلامية تاركاً لإعلاميين تابعين له أو قريبين منه ومن خطه مهمة الشرح والتبرير، وحتى استخدام الخطاب نفسه الذي اتبعوه وخطّ خطوطه الحزب نفسه منذ 2006 بألسنة مسؤوليه ومؤيديه من مختلف الرتب.
يعرف الحزب أنه خسر المعركة وإن كان يصرّ على أن الحرب مازالت قائمة واعداً البيئة الشيعية واللبنانيين بالنصر وتحرير الأرض المحتلة. يقول إنه لن يتخلى عن السلاح، أو عما تبقى منه، وهو بحسب تقديرات الخبراء غير مؤهل لخوض حرب طويلة أو قصيرة. أثبتت الحرب الأخيرة أن الحزب الذي تحول من حركة مقاومة تعمل بسرية إلى جيش شبه نظامي لا يملك القدرة على مواجهة جيش كبير متطور ومسلح تسليحاً فائق التطور والفعالية. الحزب في دوائره الداخلية يعرف ذلك لكنه لايزال يحيط مواقفه وإمكاناته العسكرية بغموضٍ يستثمره في الصراع السياسي الداخلي.
وفيما يحرص الحزب على هذا الغموض، ليست صعبة ملاحظة التغير في خطاب قريبين منه ومطلعين على أوضاعه الداخلية. يظهر ذلك واضحاً في محاولات التقليل من أهمية مرتفعات علي الطاهر التي احتلتها إسرائيل. قبل سقوط الأنفاق كان هؤلاء يروجون لاستحالة سقوطها لشدة تحصينها ولنوعية السلاح المخزن فيها. حتى أن أحدهم تنبأ بأن محاولة اقتحام الموقع ستواجه بقصف تل أبيب بعدما كان تنبأ سابقاً باجتياح الجليل وإبادة سلاح الدبابات الإسرائيلي.
بعد سقوط علي الطاهر انقلب خطاب إعلاميي الحزب ومناصريه. لم تعد تلة علي الطاهر موقعاً استراتيجياً، أصبحت موقعاً عسكرياً للدعم مثل أي موقع آخر، لا أهمية استثنائية له. هذه محاولة للتقليل من حجم الضربة التي تلقاها الحزب في المرتفعات التي تعني عملياً السيطرة على مدينة النبطية ومحيطها نارياً، وتفتح الطريق لتطور عسكري في مرتفعات أخرى في إقليم التفاح والمنطقة الشيعية في قضاء جزين، لكن هذه المحاولة تكشف حالة اضطراب في تبرير الحدث الكبير عبر تصغير حجمه.
شيء من المنطق
ولكن للإنصاف، فإن في ذلك شيئاً من المنطق، درى هؤلاء الإعلاميون بذلك أم لم يدروا. فسقوط علي الطاهر لن يغير من الواقع العسكري شيئاً بعدما حوصر لشهور وانتفت فاعليته الميدانية وباتت عناصره مهددة بانقطاع المدد. علي الطاهر ليس أهم من حصنين كبيرين سبق أن سقطا هما مدينتي الخيام وبنت الجبيل اللتان تفوقان بأهميتهما الاستراتيجية والمعنوية والرمزية تلة علي الطاهر، عدا الكثير من القرى والمواقع والوديان التي كانت تشكل شبكة التحصينات الأساسية للحزب.
لا يستخدم محللو الممانعة مصطلح هزيمة، العرب عادة لا يستسيغون هذا التعبير لأنه يوهن النفسية ويضعف المعنويات، يستخدمون تعبيراً أقل تأثيراً: الخسارة. محللون ممانعون اعترفوا بالخسارة صراحة، فيما غاب آخرون عن الشاشات بانتظار مناسبات مناسبة لظهور جديد. أحدهم ذهب إلى أبعد من ذلك بقوله إن "حزب الله" لم يعد قادراً على المقاومة وحده وأن حرب التحرير المقبلة تتطلب انخراط البلد كله في العملية. وسواء كان كلامه من بنات أفكاره أم موحى به، فهو يشكل انعطافة مهمة نحو بداية الاعتراف بالأمر الواقع والتعامل معه بخطة مختلفة وبأدوات جديدة مدروسة بعمق، بعيداً من الأسلوب القديم الذي كان نافعاً عام 2006 وفي مرحلة الصراع من أجل التحرير في تسعينات القرن الماضي وحتى إنجازه عام 2000.
قيل الكثير وسيقال الكثير عن علي الطاهر وما بعده وسنكون أمام إشارات من "حزب الله" يجب التقاطها رغم اعتماده سياسة الصمت حتى الآن. لا بد من أن يقول شيئاً لبيئته أولاً وهو يعرف ماذا يغلي في داخلها.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.