حين يصمت القانون… من يحمي الجنوب؟
في 11 كانون الأول عام 1964، وقف أرنستو تشي غيفارا على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، في خطاب حمل في خاتمته العبارة التي أصبحت رمزاً في أدبيات التحرر
:«Patria o muerte» — الوطن أو الموت. لم تكن العبارة مجرد شعار ثوري، بل تعبيراً عن فكرة أوسع أن حق الشعوب في الاستقلال والسيادة والكرامة لا يُمنح من القوى الكبرى، ولا يُنتزع من الشعوب بقوة السلاح.
بعد أكثر من ستة عقود، ما زال السؤال نفسه مطروحاً على المنبر الدولي، لكن من زاوية أكثر قسوة: ماذا يبقى من القانون الدولي عندما تُنتهك قواعده، ثم تُستبدل المحاسبة بالبيانات، والعدالة بالدبلوماسية؟
في جنوب لبنان، لم تكن الحرب مجرد أرقام في تقارير الأمم المتحدة أو خرائط عسكرية. كانت هناك عائلات، وأطفال ونساء وشيوخ، وبيوت آمنة، وقرى كاملة، ومدارس، ودور عبادة، وطرقات، وشبكات مياه وكهرباء، وأراضٍ زراعية ومواسم وأرزاق، وتراكم اقتصادي واجتماعي بناه الناس على مدى أجيال. وحين يُقتلع هذا كله من جذوره، يصبح السؤال قانونياً قبل أن يكون سياسياً: أين يقف القانون عندما تتحول حياة المدنيين وممتلكاتهم إلى ساحة للدمار؟
القانون الدولي الإنساني لا يترك المسألة للرماديات السياسية؛ فمبدأ التمييز، وهو من القواعد الأساسية في القانون الدولي الإنساني العرفي، يفرض التمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ولا يجوز توجيه الهجمات إلى المدنيين أو الأعيان المدنية. وتشمل الأعيان المدنية، من حيث الأصل، المنازل والمدارس ودور العبادة والقرى والمناطق السكنية، ما لم تتحول وفق الشروط القانونية إلى أهداف عسكرية.
ولا يقف القانون عند مبدأ التمييز؛ فالهجمات العشوائية محظورة، كما يحظر القانون الهجمات غير المتناسبة، ويُلزم أطراف النزاع باتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب أو تقليل الأضرار التي تلحق بالمدنيين والأعيان المدنية. وهذه القواعد ليست امتيازاً يمنحه طرف لآخر، إنها التزامات قانونية تنطبق في النزاعات المسلّحة، بصرف النظر عن هوية الطرف الذي يحمل السلاح.
أما الأسلحة، فليست خارج القانون. فهناك اتفاقيات دولية تحظر أنواعاً محددة من الأسلحة أو تقيّد استخدامها. اتفاقية الذخائر العنقودية، بالنسبة إلى الدول الأطراف فيها، تحظر استخدامها وإنتاجها وتخزينها ونقلها.
وفي ما يتعلق بالأسلحة الحارقة والفوسفور الأبيض، يوجد دقة قانونية بشأن استخدام الفوسفور الأبيض المحظور في كل استعمالاته؛ وإن استخدام الأسلحة الحارقة يخضع لقيود صارمة بموجب البروتوكول الثالث لاتفاقية الأسلحة التقليدية، كما تبقى جميع الاستخدامات خاضعة لقواعد التمييز والتناسب والاحتياطات. وقد حذرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تحديداً من الآثار الإنسانية الخطيرة للأسلحة الحارقة والذخائر ذات الآثار الحارقة، ومنها الذخائر التي تستخدم الفوسفور الأبيض، في المناطق المأهولة والمساحات الحرجية والنباتية.
وهنا تكمن المأساة اللبنانية: القانون موجود، والنصوص موجودة، والاتفاقيات موجودة، لكن السؤال هو أين آليات إنفاذها عندما يتعلق الأمر بأرواح اللبنانيين وقرى الجنوب؟
فإذا كان القانون الدولي قد وُضع لحماية الإنسان في زمن الحرب، فإن حماية المدنيين ليست تفصيلاً ثانوياً في النظام الدولي، ولا يجوز أن تصبح قيمة الإنسان مرتبطة بجنسيته وديانته أو موقعه الجغرافي أو القوة السياسية التي تقف خلفه.
والأخطر من تدمير الحجر هو تدمير شروط العودة إلى الحياة. فالأرض الزراعية ليست مجرد مساحة جغرافية، إنها أمن غذائي، ودخل عائلات، واستمرارية اجتماعية واقتصادية. والقانون الدولي الإنساني يمنح حماية خاصة للأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، ومنها الأراضي الزراعية والمحاصيل ومصادر المياه.
لهذا، فإن ما يطلبه لبنان ليس تعاطفاً دولياً ولا بياناً جديداً يضاف إلى أرشيف الأمم المتحدة. المطلوب مساءلة قانونية حقيقية، وتحقيقات مستقلة، وتطبيق متساوٍ للقواعد التي يدّعي المجتمع الدولي أنه بناها لحماية الإنسان.
لقد تغيّرت الشعارات منذ 1964، وتبدلت لغة الخطاب، لكن السؤال العربي لم يتغير: من يحمي حق الشعوب في الحياة والكرامة والسيادة عندما يصمت حماة القانون؟
في لبنان، وفي جنوبه تحديداً، لا تكفي معرفة أن القانون الدولي موجود. السؤال الذي سيبقى مفتوحاً أمام التاريخ هو: لماذا لم يصل القانون إلى الذين كانوا ينتظرون حمايته؟
والجنوب الذي دفع الثمن من دم أبنائه، ومن بيوته وأرضه وزراعته وذاكرته، لا يحتاج إلى شفقة العالم، بل إلى أن يُعامل الإنسان فيه، كما ينبغي أن يُعامل كل إنسان، باعتباره صاحب حق لا رقماً في تقرير، ومواطناً لا هامشاً في حسابات السياسة الدولية.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.