تحليل.. هجوما "عمّان والكرك" يفتحان ملف المحكومين السابقين في قضايا الإرهاب

عمّان، الأردن (CNN)-- لم يستوعب الشارع الأردني صدمة هجوم كنيسة "حمود" في محافظة الكرك جنوبي البلاد، قبل نحو أسبوعين، حتى شهدت العاصمة عمّان هجوماً جديداً وصفته السلطات بـ"الإرهابي"، الخميس الماضي، استهدف رجل الأمن العريف جواد السلايطة، أمام السفارة السريلانكية، وأدى إلى مقتله على يد محكوم سابق في قضية إرهابية.
وتتقاطع الحادثتان في تورط أشخاص سبق أن أُدينوا بقضايا مرتبطة بتأييد تنظيم "داعش" بحسب ما كشفت عنه قرارات قضائية، ما أعاد فتح التساؤلات حول فاعلية برامج الإصلاح داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، وآليات تقييم الخطورة قبل الإفراج عن المحكومين، ومدى كفاية الرقابة عليهم بعد خروجهم.
سوابق قضائية ومخططات إرهابية
وتشير قرارات قضائية اطلعت عليها CNN بالعربية من مصادر قانونية، إلى أن منفذ هجوم السفارة، مهند الحموري، خريج الهندسة الكهربائية من جامعة اليرموك، حُكم عليه بالأشغال المؤقتة 9 سنوات في العام 2022، وقد أنهى محكوميته قبل الهجوم الأخير بأيام.
ففي عام 2022، أيدت محكمة التمييز الحكم الصادر عن محكمة أمن الدولة، بحقه بالسجن تسع سنوات، بعد إدانته بالتآمر بقصد القيام بأعمال إرهابية، والترويج لأفكار جماعة إرهابية، ومحاولة الالتحاق بجماعات مسلحة وتنظيمات إرهابية.
وبحسب الحكم، بدأ ارتباط الحموري بتنظيم داعش عام 2014، بعد تأثره بأفكار التنظيم ومتابعة إصداراته ومبايعة زعيمه آنذاك أبو بكر البغدادي، ثم تجديد مبايعته لخلفه أبي إبراهيم الهاشمي القرشي عام 2019. كما تواصل عبر تطبيق "تلغرام" مع أحد عناصر التنظيم للاستفسار عن طريق آمن للوصول إلى سيناء والالتحاق بصفوفه مع متهمين آخرين في القضية، لكن التوجه كان نحو تأجيل السفر خشية القبض عليهم من قبل الجيش المصري.
وفي عام 2019، انتقل إلى التخطيط لتنفيذ هجوم داخل الأردن، إذ اتفق مع صديق له على استهداف مركز أمن شمال إربد، وتوجها لمعاينة الموقع والتخطيط لتأمين أسلحة نارية. وأُلقي القبض عليهما في 3 فبراير/شباط 2020، قبل تنفيذ المخطط، فيما أيدت محكمة التمييز الحكم الصادر بحق الحموري في 16 يونيو/حزيران 2022.
وفي ملف المتهم الرئيسي بهجوم كنيسة "حمود"، هزاع زيدان محمد، فقد كشفت الأحكام القضائية عن إدانته العام 2023 والحكم عليه بالأشغال المؤقتة 7 سنوات، بعد تورطه في مخطط لاستهداف قوات حرس الحدود، والترويج لأفكار تنظيم "داعش".
وتشير وقائع الحكم إلى أن هزاع، الذي خدم في القوات المسلحة الأردنية ضمن كتيبة الاستطلاع الإلكتروني على الواجهات الحدودية بين عامي 2006 و2014، تواصل عبر "ماسنجر" مع شخص خارج الأردن، وصفه الحكم بأنه من عناصر التنظيم، وتبادل معه أفكاراً مرتبطة بالجهاد. كما شارك مع مجموعة من الأشخاص في نقاشات حول داعش وترويج أفكاره.
وتطور الأمر إلى التخطيط لاستهداف جنود ودوريات إسرائيلية على الحدود الأردنية مع الضفة الغربية، من جهة غور الصافي ووادي عربة، مع الاتفاق على تأمين أسلحة ومعاينة المنطقة. وأُلقي القبض على هزاع في 2 فبراير/شباط 2021 قبل تنفيذ المخطط، وأيدت محكمة التمييز الحكم الصادر بحقه في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023.
تساؤلات حول الإفراج وإعادة التأهيل
ويساور مراقبين القلق إزاء اتساع تكرار "الأفعال الإرهابية" بين سجناء سابقين، ممن ارتبطوا بما يعرف بـ"التنظيمات" أو المحكومين في قضايا إرهاب منذ عام 2016 ممن تقل عقوبتهم عن الإعدام، الذي شهد عدة عمليات إرهابية، وهو ما حذر منه مختصون في الجماعات المتطرفة منذ سنوات.
وتقول الصحفية المتخصصة في تغطية قضايا محكمة أمن الدولة، ليندا المعايعة، إن المعلومات المتوفرة تشير إلى انتهاء محكومية الحموري مؤخراً وخروجه قبل هجوم السفارة بأيام، كما تشير إلى أن هزاع قد أنهى محكوميته أيضا في شهر مايو/أيار من العام الجاري.
وتقدر المعايعة عدد القضايا الإرهابية التي تعامل معها الأردن منذ عام 2016 بنحو 300 قضية، مشيرة إلى أن قضيتي الحموري وهزاع تطرحان تساؤلات بشأن الرقابة على المحكومين، وجدوى برامج الإصلاح وإعادة الدمج، خصوصاً في القضايا التي لا تصل عقوباتها إلى الإعدام.
وتلفت إلى أن الإفراج بعد قضاء ثلاثة أرباع مدة المحكومية يرتبط بحسن السيرة والسلوك، لكنها ترى أن القضايا الإرهابية تستدعي إعادة النظر في معايير الإفراج، وإخضاع المحكومين لتقييم أمني وفكري جاد قبل إطلاق سراحهم، مع تعزيز الرقابة اللاحقة.
ويربط مراقبون بحذر، بين هجوم السفارة، بوصفه عملية "انتقامية"، والضربة الجوية التي نفذها سلاح الجو الملكي الأردني في جنوب سوريا مساء 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026، والتي استهدفت مواقع لتنظيم داعش التي أطلق عليها "عملية الردع الأدرني-حمود"، وذلك عقب هجوم كنيسة حمود في 23 أكتوبر 2026.
من جانبه، دعا رئيس هيئة محكمة أمن الدولة العسكرية السابق، فواز البقور، إلى دراسة أسباب الهجومين الأخيرين، ودوافع عودة أشخاص سبق أن أدينوا بجرائم إرهابية إلى ارتكاب أعمال مماثلة بعد خروجهم من السجن، معتبراً أن تكرار هذه الوقائع يستدعي مراجعة فاعلية برامج الإصلاح والتأهيل.
ويقول البقور لـCNN بالعربية إن عودة محكومين أمضى أحدهما سبع سنوات والآخر تسع سنوات في السجن إلى ارتكاب أعمال إرهابية، تثير تساؤلات حول مدى تحقيق العقوبات أهدافها الإصلاحية والردعية.
ويشدد على ضرورة إجراء تقييم متخصص قبل الإفراج، بمشاركة الجهات الأمنية ورجال الدين والعلماء والمختصين في السلوك، للتحقق من مدى تراجع المحكوم عن أفكاره المتطرفة وقدرته على الاندماج في المجتمع.
ويشير إلى أن بعض المحكومين نجحوا في العودة إلى حياتهم الطبيعية والعمل والاندماج اجتماعياً، فيما لم تحقق برامج التأهيل النتيجة ذاتها مع آخرين.
وأوضح البقور، أن تكرار الجرائم المرتبطة بالإرهاب ليس "ظاهرة عامة" لدى جميع المحكومين، إذ يظل بعض الأشخاص متمسكين بأفكارهم رغم العقوبات التي تصدر بحقهم.
ولفت إلى أن السجن لا يؤدي بالضرورة في جميع الحالات إلى الإصلاح، بل قد يسهم أحياناً في زيادة التشدد والتطرف نتيجة احتكاك أصحاب الأفكار المتطرفة بعضهم ببعض داخل السجون، مشيراً إلى أن المحكومين في قضايا الإرهاب يودعون في مهاجع مشتركة داخل مراكز الإصلاح والتأهيل.
مؤشر الإرهاب العالمي
وسجل الأردن تحسناً في مؤشر الإرهاب العالمي الصادر عام 2026، إذ تراجعت درجته من 2.913 نقطة عام 2024 إلى 2.268 نقطة عام 2025، بانخفاض نحو 22.1%. غير أن المقارنة على مدى عقد، بين عامي 2015 و2025، بحسب التقرير تظهر ارتفاعاً طفيفاً بمقدار 0.105 نقطة.
ويشير التقرير، إلى أن التراجع السنوي لا يعني بالضرورة انخفاض مستوى التهديد الإرهابي بالقدر نفسه، إذ يقيس المؤشر أثر الهجمات المسجلة، ولا يعكس بصورة مباشرة المخططات التي أُحبطت قبل تنفيذها أو احتمالات وقوع هجمات مستقبلية، كما لا يقيس فاعلية برامج تأهيل المحكومين ومتابعتهم بعد الإفراج عنهم.
من جانبه، يرى اللواء المتقاعد أحمد بني حمدان، أن الأردن حقق تقدماً في مواجهة التطرف والإرهاب من خلال الاستراتيجية الوطنية التي أُطلقت عام 2014، والجهود الأمنية التي أسهمت في إحباط مخططات إرهابية والحفاظ على أمن المملكة.
وأشار بني حمدان في تصريحات لموقع CNN بالعربية، إلى وجود قصور في تنسيق جهود المؤسسات المدنية وتكامل أدوارها في مواجهة التطرف، فيما لفت إلى أن مديرية مكافحة التطرف شهدت تنقلات إدارية بين أكثر من جهة؛ إذ انتقلت من وزارة الداخلية عام 2015 إلى وزارة الثقافة عام 2016، ثم إلى رئاسة الوزراء عام 2020، معتبراً أن فاعلية المواجهة تتطلب وضوحاً في الأدوار واستمرارية في العمل المؤسسي، وعدم حصر المسؤولية في الأجهزة الأمنية.
وقال بني حمدان، إن الأردن كان له دور في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم "داعش"، إلى جانب إطلاق مبادرة اجتماعات العقبة التي وفرت إطاراً للتنسيق وتبادل الخبرات في مواجهة الجماعات المتطرفة.
ويحذر بني حمدان من تنامي دور الفضاء الرقمي والمحيط الاجتماعي في استقطاب الأفراد ونشر الفكر المتطرف، ومن مخاطر تحول مراكز الإصلاح والتأهيل إلى بيئات لإعادة إنتاج التطرف في غياب برامج التأهيل المناسبة.
فيما شدد بني حمدان، على ضرورة معالجة العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تستغلها التنظيمات في التجنيد، ومتابعة التطورات في جنوب سوريا وما يرتبط بها من نشاط للجماعات المسلحة وشبكات تهريب الأسلحة والمخدرات، في ظل احتمالات عودة نشاط "داعش" ومحاولاته التواصل مع متعاطفين داخل الأردن.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.