رميش تختبر عدالة تطبيق القانون: مخالفات محمية وأخرى تحت المجهر
أعاد استدعاء كاهن رعية رميش الأب نجيب العميل إلى الواجهة مسألة تطبيق القوانين على الأراضي اللبنانية، بعدما تحولت مخالفة بناء على سطح منزل إلى قضية قضائية وأمنية، فيما لا تزال تعديات واسعة على الأملاك العامة والمشاعات والأملاك الخاصة قائمة، من دون أن تتمكن الدولة من وضع حدّ لها.
في رميش، بدأت القضية بمخالفة بناء، واتخذت الإجراءات القضائية مسارها وصولاً إلى طلب تنفيذ الإزالة بواسطة البلدية. غير أن تدخل الأب العميل الذي سعى إلى تجنّب مواجهة بين الأهالي والجهات المعنية، انتهى باستدعائه للتحقيق على خلفية عبارة قيل إنها وردت خلال النقاش مع القاضي. وأوضحت البلدية أن العبارة جاءت في سياق ساخر للتعبير عن صعوبة معالجة الأمر في الظروف الأمنية القائمة، لا في سياق التهديد أو الاستقواء بأيّ جهة خارجية.
ولا يمكن فصل الاعتراض في رميش عن واقع البلدة التي لا تزال أجزاء من محيطها وأراضيها تحت الاحتلال، وعن الظروف الأمنية والاستثنائية التي يعيشها أهلها. فالمطالبة بتطبيق القانون لا تلغي خصوصية هذا الواقع، كما أن احترام القانون لا يعني تجاهل الظروف التي تجعل تنفيذه أكثر تعقيداً.
الحرب غطاء لتثبيت المخالفات
تظهر الإشكالية أكثر بعد الحروب، حين تعود ملفات التعديات إلى الواجهة مع انطلاق ورشة إعادة الإعمار. ففي كل مرة، تختلط الأضرار الجديدة بالمخالفات القديمة، ويُطرح حق أصحاب المنازل المدمرة في العودة إلى بيوتهم وإعادة بنائها في مواجهة أيّ محاولة لضبط التعديات على الأملاك العامة والخاصة. وتحت عنوان أن الحرب هدمت المنازل وأن أصحابها عانوا ويجب مساعدتهم لا ملاحقتهم، يُعاد في بعض الحالات بناء ما كان مخالفاً قبل الحرب، أو تثبيت تعديات لم تكن الحرب سبباً في نشوئها.
وبعد حرب 2024، عندما تحركت الدولة للحفاظ على الأملاك العامة والخاصة ومنع إعادة بعض التعديات، واجهت حملة سياسية وإعلامية وشعبية واسعة. وبلغت الاتهامات حد تصوير إجراءاتها كأنها استكمال لما فعلته إسرائيل، في ضغط واضح لدفعها إلى السماح بإعادة البناء، من دون التمييز بين منزل دمرته الحرب ومخالفة سابقة يجري استغلال الدمار لإعادة تثبيتها.
وفي مناطق نفوذ "حزب الله"، لم تكن المشكلة مرتبطة فقط بتعقيدات الملكيات أو ببطء الإدارات. فالدولة واجهت واقعاً أمنياً وسياسياً يجعل قدرتها على فرض قراراتها محدودة، فيما تملك قوة الأمر الواقع أدوات ضغط تتجاوز المؤسسات الرسمية. وهكذا تصبح قرارات الدولة رهناً بمدى قدرتها على دخول المنطقة وتنفيذ ما تقرره، لا بمجرد وجود نص قانوني أو قرار قضائي.
الأمر الواقع وسلطة "الواسطة"
تقول وزارة الداخلية إن مؤسساتها تقوم بواجباتها في قمع المخالفات على الأراضي اللبنانية. غير أن ما يجري على الأرض يكشف تفاوتاً في قدرة الدولة على تطبيق القانون. ففي بعض الأماكن، تصطدم بسلطة أمر واقع لا تستطيع تجاوز نفوذها، وفي أماكن أخرى تتعطل الملاحقة بفعل الحمايات السياسية والوساطات والتدخلات والفساد الإداري، وهي أدوات لا يحتاج اللبنانيون إلى كثير من الجهد لإيجادها عندما تتعارض القوانين مع مصالحهم.
ولا يقتصر الأمر على إعادة الإعمار. فالتعديات التي تُترك سنوات تتحول إلى واقع سكني وعقاري يصعب التعامل معه، وتتداخل فيها مسؤوليات البلديات والإدارات العقارية والأجهزة الأمنية والسياسيين. وبمرور الوقت، تصبح إزالة المخالفة أكثر تعقيداً، فيما تصير أيّ محاولة متأخرة لتطبيق القانون قضية سياسية أو اجتماعية.
وقد ميّز قانون إعادة إعمار الأبنية المتضررة رقم 22 لعام 2025 بين البناء المخالف على أرض صاحبه، والبناء على ملك الغير، والتعدي على الأملاك العامة وأملاك الدولة والبلديات، ولم يمنح إعادة الإعمار حقاً تلقائياً في تثبيت هذه التعديات.
في هذا السياق، يُفهم اعتراض رميش على طريقة معالجة المخالفة، ولا سيما في بلدة تعيش تحت الاحتلال وتواجه ظروفاً لا تشبه الظروف الطبيعية في سائر المناطق. فالمفارقة أن الدولة تبدو قادرة على تحريك الإجراءات في مكان، فيما تتراجع أو تعجز في أماكن أخرى أمام نفوذ "حزب الله"، أو أمام شبكة الفساد والواسطة التي تتيح تعطيل القانون وتجاوز المؤسسات. وبين هذين الواقعين، لا يعود السؤال عن وجود القوانين، بل عن الجهة التي تستطيع الدولة أن تطبّقها عليها، وتلك التي لا تستطيع الاقتراب منها.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.