دراسة جديدة: نقص المياه قد يعرقل بناء مدن على القمر

(CNN) -- إذا كنت، مثل إيلون ماسك، تحلم بمستقبل يمكن فيه لأعداد كبيرة من البشر العيش على القمر، ستشعر على الأرجح بخيبة أمل.
رغم احتمال وجود تريليونات الأرطال من المياه المحبوسة داخل حبيبات زجاجية صغيرة منتشرة على سطح القمر، يقدّر العلماء أن هذه الكمية لن تكون كافية لاستمرار الحياة في مدينة كبيرة لفترة طويلة، بحسب دراسة نُشرت في دورية Frontiers in Space Technologies، الإثنين.
وكان ماسك أعلن في فبراير/شباط، أنّ شركته الفضائية SpaceX غيّرت تركيزها من تطوير مستوطنة على المريخ إلى "بناء مدينة ذاتية النمو على القمر"، لأن تحقيق ذلك سيكون أسرع، وقد يتم "في أقل من 10 سنوات"، على حد قوله.
وأثار ذلك سؤالًا آخر: "ما حجم المدينة التي يمكن أن تدعمها هذه الكمية من المياه على القمر؟ وكانت الإجابة مفاجئة جدًا"، بحسب مارتن إلفيس، المؤلف الرئيسي للدراسة وعالم الفيزياء الفلكية في مركز هارفارد-سميثسونيان للفيزياء الفلكية، لـCNN.
وباعتماد مليار طن من المياه كتقدير "سخي"، وجد إلفيس وزميله عالم الفيزياء الفلكية جوناثان ماكدويل أن مليون شخص، أي ما يقارب عدد سكان ستوكهولم، سيستهلكون هذه الكمية بالكامل في أقل من عامين ونصف العام، إذا استُخدمت للشرب والنظافة وزراعة الغذاء ووقود الصواريخ والتنفس، وفقًا للدراسة.
لكن إعادة تدوير المياه بكفاءة قد تطيل هذه المدة بشكل كبير. فبمعدل استعادة يبلغ 98%، كما في محطة الفضاء الدولية، قد تكفي المياه لمدينة تضم مليون شخص لنحو 100 عام. إلا أن ذلك يتطلب ترشيدًا شديدًا في استخدامها، وهو ما يرى إلفيس أنه غير مستدام على الأرجح.
وخلص الباحثان إلى أن قرنًا واحدًا من إمدادات المياه لا يبدو كافيًا لإنشاء مستوطنة مستدامة وطويلة الأمد خارج الأرض، رغم الاستثمارات الضخمة المطلوبة لتحقيق ذلك.
ويرى الباحثان أن مدينة صغيرة تضم نحو 100 ألف شخص يمكن أن تستمر لمدة 1000 عام، وهي مدة "تبدو طويلة بما يكفي لوصفها بأنها مستدامة"، وفقًا للدراسة.
وقال ماكدويل لـCNN: "أما إذا كان عدد سكان البلدة 10 آلاف شخص فقط، فستكفيها المياه لنحو 10 آلاف عام، وعندها يبدأ الأمر في أن يبدو منطقيًا، إذ سيكون لدينا وقت كافٍ لإيجاد حل آخر".
فعلى سبيل المثال، توجد "كمية كبيرة من المياه في النظام الشمسي"، ضمنًا حزام الكويكبات وعلى أقمار زحل، وفق ما أوضح ماكدويل.
وأضاف: "لذلك، قد يتمكن سكان القمر مستقبلًا من استيراد المياه بالكميات اللازمة لدعم أعداد كبيرة من السكان. ومن الصعب تصور كيفية تنفيذ ذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية، لكن ربما يصبح ممكنًا على المدى الطويل".
وعلى المدى القصير، يرى ماكدويل أن بناء بلدة على القمر قد يستغرق نحو 30 عامًا لا 10 سنوات، كما اقترح إيلون ماسك.
وقال عالم الفلك إيان كروفورد، أستاذ علوم الكواكب وعلم الأحياء الفلكي في جامعة بيركبيك في لندن، غير المشارك في الدراسة، لـCNN: "هذه دراسة مهمة، وأعتقد أن الباحثين قدموا خدمة قيّمة بإضفاء قدر من الواقعية على النقاش حول الخطط طويلة الأمد لإقامة مستوطنات بشرية كبيرة على القمر".
وأضاف أن إنشاء مثل هذه المستوطنات سيتطلب استيراد المياه، أو الهيدروجين اللازم لصنعها من الأكسجين الموجود في صخور القمر.
وفي الدراسة، أشار الباحثان إلى أن قرية تضم نحو 1000 شخص على القمر، أي عددًا يقارب من يمكثون في القارة القطبية الجنوبية خلال فصل الشتاء، قد تتمكن من استخدام مياه القمر "دون قيود كبيرة".
وقال كروفورد إن كمية المياه الموجودة عند قطبي القمر قد تكون كافية على المدى القصير لدعم مواقع بحثية صغيرة بهذا الحجم، مضيفًا أنّه يعتقد "أن هذا سيكون الاستخدام الأكثر ترجيحًا خلال العقود المقبلة".
لكنه شدّد على أهمية دراسة الجليد المائي عند قطبي القمر بالشكل المناسب قبل استخراجه بالكامل واستخدامه مصدرًا للمياه، نظرًا إلى أهميته العلمية.
تراكم الجليد على سطح القمر منذ تشكله قبل مليارات السنين، لذلك "يحفظ سجلًا كيميائيًا وفيزيائيًا للبيئة التي وُجدت فيها الأرض طوال هذه الفترة، التي أدت إلى نشوء الحياة على كوكبنا"، وفق ما قال سايمون باربر، الباحث الرئيسي في جامعة أوبن البريطانية الذي يدرس المياه على القمر، لـCNN.
وأضاف باربر، غير المشارك في الدراسة: "ينبغي لنا، في أقل تقدير، كشف الأسرار التي يحملها هذا الجليد بشأن تطورنا وتطور كوكبنا والكواكب الأخرى، قبل التفكير في استخراجه للاستخدام الصناعي".
وتستهلك الزراعة الحصة الأكبر من المياه، إذ قد يحتاج إطعام شخص واحد يوميًا إلى ما بين 2000 و5000 لتر، وفق تقديرات البنك الدولي التي اعتمدتها الدراسة. وقد يساعد اعتماد نظام غذائي نباتي بالكامل على خفض الاستهلاك، فإنتاج لحم البقر يحتاج إلى ستة أضعاف المياه اللازمة لإنتاج فول الصويا، بينما يحتاج الدجاج إلى ضعف الكمية، وفقًا للدراسة.
لكن حتى مع ترشيد الاستهلاك، لا يزال حجم المياه الموجودة فعلًا على القمر ومدى سهولة استخراجها غير واضحين، وفق ما قال ماكدويل.
وأوضح أن المياه قد تكون وفيرة في الفوهات شديدة البرودة والمظللة، ما يجعل استخراجها سهلًا نسبيًا، لكنها قد توجد أيضًا بكميات ضئيلة بين الصخور في مناطق واسعة من القطب الجنوبي، الأمر الذي قد يجعل استخراجها بالغ الصعوبة حتى لو بلغت كميتها الإجمالية مستويات كبيرة.
وقال باربر إن "البرد القارس والظلام الدامس لفترات طويلة" يجعلان هذه المناطق "بيئة قاسية على الروبوتات أو البشر". وأضاف أن المياه ليست على شكل مكعبات جليدية نقية يمكن إذابتها وشربها، بل يُرجح أنها ممزوجة بمواد كيميائية سامة يجب إزالتها أولًا.
ويُقدّر الباحثون أن أكبر ثماني فوهات على القمر تحتوي على نحو 34 مليون طن من المياه. ومع وجود عدد محدود من الفوهات الكبيرة التي يمكن استكشافها، قد يسعى المهتمون إلى "الاستحواذ على أكبرها وأفضلها واستغلال المياه فيها"، وفق ما قال إلفيس، الذي دعا الدول المشاركة في سباق استكشاف القمر إلى التعاون بدلًا من التنافس فيما بينها.
وقال كروفورد إن الباحثين "محقون بالتأكيد في أن الإدارة الدقيقة للاحتياطيات المحدودة من مياه القمر ستكون ضرورية"، مضيفًا أن ذلك يتطلب "إطارًا تنظيميًا متفقًا عليه دوليًا" لتجنب التهافت على الموارد واستنزاف مورد قمري قيّم قبل أوانه.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.