"نقص الوقود" والحصار يفاقمان أزمة اقتصادية طاحنة في إيران

ضاعفت إيران مطلع الأسبوع أسعار بعض أنواع البنزين لتصل إلى ما يعادل 0.04 دولار للتر الواحد، لتصل تكلفة ملء خزان الوقود، بعد نفاد الحصص المدعومة الأرخص سعراً، إلى دولارين للسيارات الصغيرة و5 دولارات للشاحنات، وهي تكلفة تشكل عبئاً ثقيلاً على الإيرانيين الذين لا يتجاوز دخل معظمهم 100 دولار شهرياً، حسبما تشير صحيفة "وول ستريت جورنال".
وتزيد مثل هذه التداعيات الاقتصادية للحرب والحصار الأميركي، من معاناة الإيرانيين، الذين يواجهون بالفعل انهياراً في قيمة العملة وتفاقماً في معدلات البطالة، وارتفاعاً في أسعار جميع السلع.
وقد نفد الوقود في بعض المحطات نتيجة تهافت السائقين على التزود به قبل بدء تطبيق الأسعار الجديدة. واستهدفت هذه الزيادات المركبات التي تتجاوز حصصها المقررة من الوقود، وجاءت في أعقاب قرار طهران بالفعل بتقليص الحصص الشهرية المدعومة. ووجد بعض السائقين أنفسهم عالقين لعدم تمكنهم من الحصول على الوقود، كما عبّر سائقو سيارات الأجرة والشاحنات عن استيائهم من تدهور الظروف المعيشية.
واضطرت الحكومة الإيرانية إلى خفض الدعم، مع تزايد تكاليف برامج الرعاية العامة، كما تسعى جاهدة لإصلاح الأضرار التي لحقت بمصافي النفط خلال الحرب، وتواجه صعوبات في استيراد البنزين بسبب الحصار البحري المفروض عليها.
تدهور أوضاع المعيشة
والأربعاء، أفاد سائق في مدينة آريان شهر، الواقعة في معقل المحافظين بشمال شرق إيران، بأنه عالق مع عائلته في إحدى محطات الوقود بعد محاولته التزود بالوقود.
وقال السائق في مقطع فيديو نشره "اتحاد منظمات سائقي الشاحنات والمركبات في إيران"، وهو نقابة عمالية مستقلة تمثل قطاع النقل: "يقولون إن البنزين قد نفد، ولن يتوفر مجدداً حتى الغد".
وقد تم التحقق من صحة المقطع من قبل وكالة Storyful المملوكة لشركة News Corp، وهي الشركة الأم لصحيفة "وول ستريت جورنال".
وكان عمال ومتقاعدون في قطاعات الاتصالات والنفط والتعليم قد احتجوا سابقاً على تدهور الظروف المعيشية، وانضم إليهم الآن سائقو الشاحنات وسيارات الأجرة الذين تضرروا بشكل كبير جراء أزمة الوقود.
والخميس، احتج 120 سائق سيارة أجرة في محافظة كرمان شرق البلاد على خفض حصصهم من الوقود المدعوم، وذلك وفقاً لما ذكره اتحاد سائقي الشاحنات والمركبات.
إضرابات عمالية
كما أضرب هذا الأسبوع في عدة مدن سائقو شركة "سناب" لخدمات التوصيل، وهي النسخة الإيرانية من شركة "أوبر" وكانت يوماً ما رمزاً لآمال البلاد الاقتصادية.
وانطلقت "سناب" في عام 2014 خلال فترة انفتاح اقتصادي، وتُعد الآن واحدة من أكبر جهات التوظيف في القطاع الخاص بالبلاد، إذ تضم 3 ملايين سائق. وفي مدينة أراك، وهي مركز صناعي غربي إيران، اصطف العشرات، الاثنين الماضي، أمام مكتب المحافظ، معربين عن عجزهم عن تدبير نفقات معيشتهم.
وحمل أحدهم لافتة كُتب عليها: "هذه الأجور لا تضمن استمرار عجلة الحياة في الدوران"، وذلك وفق مقطع فيديو تحققت من صحته وكالة Storyful.
وفي الأحد الماضي، نظم السائقون مسيرة عبر الشوارع الرئيسية في مدينة سمنان الواقعة شرق طهران، مما أدى إلى عرقلة حركة المرور، بحسب لقطات تحققت Storyful من صحتها.
وقال أحد السائقين في مقطع فيديو: "لقد توقفنا جميعاً عن العمل؛ لا أحد يعمل".
تكلفة متصاعدة
وتتسبب أزمة الوقود أيضاً في حالة من الاستياء بين مشغلي خدمات النقل الأكبر حجماً. ففي أواخر شهر أغسطس، أضرب سائقو الشاحنات في معبر مهران الحدودي مع العراق ليوم واحد احتجاجاً على نقص الوقود، وفق وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان HRANA، وهي منظمة غير ربحية مقرها الولايات المتحدة؛ ويؤدي هذا المعبر دوراً محورياً في توريد السلع الغذائية الأساسية إلى البلاد.
وفي يوم الثلاثاء، حذر سائقو الشاحنات في ميناء بندر عباس المطل على مضيق هرمز، والذي يتعامل مع الجزء الأكبر من حركة الحاويات في إيران، من أنهم قد يحذون حذوهم.
وجاء في بيان نشره اتحاد سائقي الشاحنات والمركبات في إيران، على لسان سائقي الميناء تعليقاً على ارتفاع أسعار الوقود: "السائق وعائلته هم من يتحملون التكلفة من جيوبهم الخاصة... والمشكلة تكمن في أننا لم نعد قادرين على تحمل هذه الضغوط".
ويقول العاملون في مجال النقل، إنهم يواجهون مشكلات تتعلق بالوقود لم يعهدوها حتى خلال العمليات القتالية الفعلية في الشهر الأول من الحرب مع الولايات المتحدة.
وصرح جلال موسوي، نائب رئيس "رابطة سائقي الشاحنات" في البلاد، وهي جهة مقربة من الحكومة، لوكالة أنباء العمال الإيرانية "إيلنا" الخاضعة لسيطرة الدولة، الأحد، بأن السائقين "كانوا منشغلين بنقل البضائع أثناء الحرب وتحت وطأة الهجمات الصاروخية، ولم تتوقف حركة نقل البضائع ولو لساعة واحدة؛ أما اليوم، فإن السائقين يواجهون طوابير طويلة للتزود بالوقود".
ومن المتوقع أن يتفاقم معدل التضخم، الذي بلغ بالفعل 128% في شهر أغسطس بالنسبة للمواد الغذائية، عقب الانخفاض الحاد في قيمة العملة الإيرانية خلال الأسابيع الأخيرة، وذلك في ظل تعثر التقدم الدبلوماسي وتشديد الولايات المتحدة لحملة "النبذ الاقتصادي".
ففي يوم الأربعاء، تجاوز سعر صرف الريال حاجز 2.3 مليون مقابل الدولار، مسجلاً بذلك مستوىً متدنياً جديداً.
تنامي الفقر
وتتيح شركة "سناب" التي تقدم خدمات التوصيل للعملاء، إمكانية شراء السلع الغذائية وحتى خدمات النقل بنظام التقسيط على أربع دفعات.
وعبّر أحد سكان طهران، وهو رجل في السبعينيات من عمره، عن صدمته من أسعار المنتجات البلاستيكية؛ إذ كانت إسرائيل قد وجهت ضربات قوية لمنشآت البتروكيماويات الإيرانية في بداية الحرب، وأصبح سعر لفة أكياس القمامة (التي تحتوي على 30 كيساً) ما يعادل الآن 4.26 دولار.
وذكر الرجل أنه رفع قيمة الإيجار لعقار يملكه بنسبة 250% خلال السنوات الخمس الماضية لتصل إلى 149 دولاراً شهرياً.
وفي المقابل، قالت سيدة أخرى في الأربعينيات من عمرها، إنها باتت تشتري احتياجاتها الغذائية من المستودعات المخصصة لتجار الجملة، واضطرت إلى تقليص الإنفاق على المستلزمات الدراسية لطفلها.
وأشارت إلى أنه لا تزال هناك مظاهر للثراء، مرجحةً وجود أشخاص يجنون أرباحاً من حالة الندرة التي سببتها العقوبات؛ فالأثرياء ما زالوا يشترون المجوهرات باهظة الثمن من مراكز التسوق الفاخرة في طهران.
لكنها أضافت أن الغالبية العظمى من الناس أصبحوا فقراء للغاية، لدرجة أن هذا الوضع بات محوراً للأعمال المسرحية ومعارض الرسم والأفلام المستقلة. وقالت: "كل شيء بات يتمحور حول الفقر".
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.