خمسة عوامل تحدد مصير السيطرة الحوثية
اتبعت إيران استراتيجية الردع الأفقي أي فتح جبهات أخرى كانت أعدتها طوال عقود، فشهدنا دخول أذرعها تباعاً من "حزب الله" إلى الحشد الشعبي في العراق إلى الحوثي في اليمن.
لكن الملاحظ اليوم أن "حزب الله" ضعف ولم ينتهِ، والفصائل العراقية لم تستجب قرار الدولة رغم الخروج الأميركي في الموعد المحدد. هل تنتهي السيطرة الحوثية في اليمن، أم يتكرر نموذج "حزب الله" والفصائل العراقية؟
قد يتغير مسار الأمور قبل الحصول على الجواب المعقول، ولكن ينبغي التمييز بين انتهاء السيطرة الحوثية على الدولة اليمنية، وتراجع القدرات العسكرية للحوثيين، وانقطاع ارتباطهم الاستراتيجي بإيران. فهذه ثلاثة مسارات مختلفة، ولا يعني تحقق أحدها بالضرورة تحقق المسارين الآخرين.
غير أن التجربة أظهرت أيضاً أن ما اعتبرته طهران محوراً متراصاً، لم يشكل منظومة موحدة تعمل بالضرورة وفق إيقاع واحد. فـ"حزب الله" في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، والحوثيون في اليمن، لكل منهم بيئته المحلية ومصالحه وحساباته السياسية والعسكرية.
تجدر الإشارة إلى أن المشهد اليمني شهد تحولاً ميدانياً مهماً خلال أيلول/ سبتمبر وتشرين الأول/ أكتوبر الجاري، وفق التقارير المنشورة حديثاً. فالحوثيون وسّعوا سيطرتهم على أجزاء من الساحل المطل على البحر الأحمر، بما فيها مناطق قريبة من باب المندب، في تطور وضع أمن الملاحة الدولية في صلب الصراع مجدداً. فيما سارعت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بدعم سعودي، إلى تبني هجوم مضاد لاستعادة مناطق خسرتها، لكن التقدم الميداني لم يتحول حتى الآن إلى انهيار حوثي شامل.
فالحوثيون ليسوا مجرد امتداد عسكري لإيران: نشأت الحركة الحوثية في بيئة يمنية محلية ذات جذور زيدية، وخاضت صراعاتها مع السلطة اليمنية قبل أن تصبح علاقتها بإيران عنصراً أساسياً في حساباتها الإقليمية. وقد اكتسبت خلال سنوات الحرب خبرة عسكرية وأمنية، وبنت أجهزة حكم في المناطق الخاضعة لها. لذلك، فإن تراجع الدعم الإيراني، حتى لو حدث، لا يعني تلقائياً تفكك الحركة، فقد تستمر باعتبارها قوة يمنية مسلحة حتى لو تراجعت قدرتها على تنفيذ الدور الإقليمي الذي تريده طهران.
1 - تماسك المعسكر المناهض للحوثيين: لا يكفي أن تتوافر للحكومة أسلحة ودعم خارجي؛ المطلوب قيادة سياسية وعسكرية موحدة، وتوزيع واضح للصلاحيات، وتفاهم بين القوى اليمنية المتنافسة. فالانقسامات داخل هذا المعسكر كانت أحد العوامل التي أضعفت قدرته على استعادة الدولة.
2 - الجغرافيا العسكرية: يمنح المرتفَع الجبلي في شمال اليمن الحوثيين مزايا دفاعية لا تتوافر بالدرجة نفسها على أجزاء من الساحل الغربي. لذلك، فإن استعادة مناطق ساحلية لا تعني بالضرورة أن الطريق إلى صنعاء أصبح مفتوحاً عسكرياً.
3 - استمرار الإسناد الإيراني: إن استمرار وصول الخبرة والتقنيات والمكونات العسكرية، ولا سيما منها ما يرتبط بالمسيّرات والصواريخ، قد يساعد الحوثيين على الاحتفاظ بقدرة ردع إقليمية حتى في حال خسارتهم بعض الأراضي. لكن مقدار اعتمادهم الفعلي على الإسناد الخارجي مقارنة بقدراتهم المحلية يحتاج إلى تقييم استخباري مستقل.
4 - باب المندب والبحر الأحمر: تمنح السيطرة على الساحل الغربي الحوثيين ورقة ضغط تتجاوز اليمن. فالقدرة على تهديد الملاحة الدولية تجعل ملفهم مرتبطاً بأمن التجارة والطاقة، وتزيد احتمالات التدخل الخارجي، لكنها قد ترفع أيضاً كلفة استمرارهم في المواجهة.
5 - قدرة الدولة على تقديم بديل: إن استعادة الأراضي لا تكفي إذا عادت الانقسامات والفساد وانعدام الخدمات. فالدولة التي تستطيع تأمين الرواتب والخدمات والأمن، ودمج المقاتلين وفق ترتيبات مؤسسية موثوقة، تكون أقدر على تحويل المكاسب العسكرية إلى استقرار سياسي مستدام.
وتكتسب هذه العوامل أهمية إضافية في ضوء ما أشار إليه تقرير مكتبة مجلس العموم البريطاني الصادر في 5 تشرين الأول 2026، من عودة المواجهات واتساع الاحتياجات الإنسانية، مع استمرار الانقسام الفعلي للسيطرة على الأراضي اليمنية.
الخلاصة الاستراتيجية
إن استعادة مناطق استراتيجية قد تضعف الحوثيين، لكنها لا تثبت وحدها أن سلطتهم في شمال اليمن باتت على وشك الانهيار. وبالمثل، فإن احتفاظهم بمعاقلهم لا يعني أن قدرتهم على العمل ضمن استراتيجية الردع الإيرانية ستبقى كما كانت.
والفارق الحاسم بين مجرد إضعاف الحوثيين وإنهاء سيطرتهم هو وجود مشروع دولة يمنية موحدة وقادرة على احتكار القوة، لا مجرد امتلاك خصومهم تفوقاً عسكرياً موقتاً.
*باحث أمني وإستراتيجي لبناني
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.