الديموقراطيون التقدميون… الأب يعترف بأبنائه الضالين وإن متأخراً
في بيته وبين ناسه كان باراك أوباما السبت الفائت. مدينة ديترويت في ميشيغان أقرب إلى أن تكون هوية ثقافية وسياسية وتاريخية للأفارقة الأميركيين في الولايات المتحدة. وحين يذهب إليها ليطمئن أبناء جلدته بأن عبدول السيد، العربي المسلم، خيار ممتاز لقضاياهم المحلية والعامة، فهذا يعني أن الحزب الديموقراطي اعترف، ولو متأخراً، بأبنائه التقدميين المشاغبين قليلاً، لكن القادرين على تحريك مياه راكدة في الحزب منذ وقت بعيد.
فرصة التقدميين
الحزب الديموقراطي أمام فرصة ذهبية لانتزاع الكونغرس بشقيه من دونالد ترامب. استطلاعات الرأي كلها ترجّح خسارة الجمهوريين للأغلبية في المجلسين. لكن العين الديموقراطية على الشيوخ، وقد دعمت سابقاً مرشحة "وسطية" في ميشيغان ضد الطبيب المتحمس الذي أزاحها، وإن بفارق ضئيل، مثبتاً أن الولايات المتأرجحة تحتاج إلى خطاب حاد ضد الترامبية لجذب المقترعين، بدلاً من خطاب وسطي، يجد شعبيته العالية عند الفئات الشابة التي تتوق إلى التغيير بعد سنوات من قلة حيلة الحزب الديموقراطي وضبابيته وثقل حركته.
والتقدميون أثبتوا جدارتهم. يجيدون إدارة حملات انتخابية متخففة من الحسابات العديدة للوسطيين أبناء المؤسسة. وبعد خسارتهم للبيت الأبيض والكونغرس قبل عامين، لم يعد لدى الديموقراطيين ترف التغاضي عن المسار التصاعدي لليسار الحزبي الأكثر قرباً من خصوم ترامب في المدن، إن بين الفئات المتعلمة أو العمالية. ومع أن حرس الهيكل الديموقراطي يدعمون مرشحيهم في الانتخابات التمهيدية ضد اليساريين، فإنهم لن يخطئوا مجدداً بعدم دعم مرشح مثل زهران ممداني مثلاً، بسبب موقفه المعلن من إسرائيل. وهو تابو ساهمت عوامل عديدة في كسره، منها إسرائيل نفسها، لكن كان للتقدميين اليد الطولى في التجرؤ على الانتقاد بصوت عالٍ بلا خوف من تهم "معاداة السامية".

المرشح الديموقراطي لمجلس الشيوخ الأميركي عبدول السيد خلال تجمع انتخابي في غراند رابيدز بولاية ميشيغان، 25 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (أ ف ب)
كسر المحظورات
كما أنهم لم يخافوا من الطعن "بأميركيتهم" حين قالوا صراحةً إنهم ضد الحرب الإيرانية، وأشاروا إلى أن أميركا تخوضها بالنيابة عن بنيامين نتنياهو. ساعدهم دونالد ترامب نفسه حين لم يضف الدراما الوطنية المطلوبة لكل حرب تخوضها أميركا وراء المحيطات. أسبابه الواهية، وعدم تحقيق أي من وعوده في ما خص الحرب، وحتى انقسام قاعدته حولها، جعلت التقدميين أكثر قبولاً عند الشارع الديموقراطي المعتدل، وإلى حد ما المستقل. هذا لا يعني أن جمهورياً في الريف الأميركي سيبدّل جلده ويصير مع اليسار، لكن أميركا لم تعد تنظر باستغراب إلى هؤلاء، الذين لبعضهم أسماء عصيّة على اللفظ، وألوان وأديان غير جماهيرية كثيراً، وصولاً إلى لكنات هجينة على سمعهم. التقدميون، بهذا المعنى، لم يعودوا حالة نافرة، لا داخل الحزب الديموقراطي ولا في أميركا، خصوصاً أن دونالد ترامب هو الظاهرة المقابلة التي ستحتاج أميركا إلى وقت طويل كي تحللها وتفهم أسبابها.
في اليوم التالي لحلول أوباما في ديترويت، كانت ميشيغان على موعد مع ترامب، في مقاطعة سانت كلير، الجمهورية بشدة، والبيضاء بشدة. التجمعان الانتخابيان يختصران الحرب وقد عادت إلى المربع الأول... أوباما وترامب. نجمان ومفهومان لأميركا في مواجهة جديدة، وإن لم تكن يوماً مباشرة بينهما. أوباما يميل يساراً بعض الشيء هذه المرة، أما ترامب، فيمين صارخ كالعادة. الثلاثاء المقبل سيكون يوماً مصيرياً للجميع من دون استثناء، للحزبين في الداخل والخارج معاً، وللتقدميين والترامبيين، وبالأخص للظاهرة غير المسبوقة في أميركا... دونالد ترامب.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.