إيران تراهن على وجع العالم... هل تكسر كلفة الحرب حصارها؟
تراهن إيران على أن تدفع الكلفة المتصاعدة للحرب على الاقتصاد العالمي واشنطن إلى رفع الحصار عن موانئها. فمع تضاؤل إيرادات النفط واشتداد الضغط على معيشة الإيرانيين، تسعى طهران إلى توسيع دائرة المتضررين من استمرار المواجهة، عبر تهديد الملاحة وزيادة المخاطر التي تتحملها شركات الشحن والتأمين. وتقوم حساباتها على أن تتحوّل خسائر الدول والشركات إلى ضغط سياسي لإنهاء الحرب، قبل أن يستنزف الحصار قدرتها على الصمود.
في هذا السياق، تندرج استراتيجية "الحصار مقابل الحصار"، التي أعلنها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي. وتستهدف توسيع نطاق الإجراءات الإيرانية إلى خارج مضيق هرمز، وصولاً إلى الجهات التي تملك السفن وتشغّلها وتؤمّن رحلاتها.
وكان رضائي قد أعلن، في مقابلة مع التلفزيون الإيراني في 6 أيلول/سبتمبر، اعتزام طهران تحديد "نطاق محظور جديد"، يبدأ من خط الحصار الذي تفرضه البحرية الأميركية ويمتد إلى أجزاء من الخليج، وإدراج السفن التي تدخله على قائمة العقوبات الإيرانية.
توسيع دائرة الخسائر
ترتكز الخطة على الجمع بين التهديد العسكري وتبعات اقتصادية تلاحق السفن والجهات المرتبطة بها. وبحسب هذه الاستراتيجية، فإن السفينة التي تدخل النطاق المحدد لعبور هرمز وتتجاهل أوامر القوات الإيرانية بالتوقف قد تتعرض للاستهداف بالصواريخ والمسيّرات، إلى جانب فرض عقوبات على مالكها.
وشهد هذا المسار خطوة إضافية في 14 أيلول، حين أعلنت الجهة الإيرانية المشرفة على العبور قائمة محدّثة تضم 77 سفينة تتهمها بمخالفة تعليماتها. وهدّدتها بالغرامات والاحتجاز والمصادرة، وطالبت شركات التأمين وهيئات التصنيف بوقف خدماتها للسفن المدرجة.
وتسعى طهران بذلك إلى التأثير في قرار الإبحار نفسه. فمالك السفينة ومشغّلها وشركة التأمين وهيئة التصنيف التي تعتمد سلامتها الفنية، جميعهم مدعوون إلى احتساب تبعات التعامل مع سفينة تستهدفها الإجراءات الإيرانية.
اعتمدت إيران طويلاً على الزوارق السريعة والألغام البحرية والصواريخ المضادة للسفن والمسيّرات لتهديد الملاحة. وتضيف إلى هذه الأدوات محاولة فرض كلفة تستمر حتى بعد انتهاء الرحلة، من منع دخول الموانئ الإيرانية إلى احتمال الحجز وتجميد الأصول التي تستطيع الوصول إليها.
أما انعكاس هذه التهديدات على التغطية التأمينية، فيبقى مرتبطاً باستجابة الشركات وتقديرها للمخاطر. وتراهن طهران على أن يدفع احتمال الاستهداف أو الاحتجاز تلك الشركات إلى رفع الكلفة أو تجنّب الرحلات، فتتسع التداعيات لتشمل مستوردي الطاقة والسلع.

زبائن يتسوّقون في متجر للمواد الغذائية جنوب طهران، 15 أيلول/سبتمبر 2026. (أ ف ب)
هرمز بين الأرقام والرسائل السياسية
تقول السلطات الإيرانية إن 7 إلى 8 سفن فقط، تحمل في معظمها سلعاً أساسية لإيران، تعبر مضيق هرمز يومياً بالتنسيق معها. في المقابل، تؤكد واشنطن استمرار تدفق النفط، في محاولة لطمأنة الأسواق وإظهار قدرتها على الحد من أثر التهديدات الإيرانية.
وقال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، في مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" في 6 أيلول، إن متوسط النفط العابر خلال الأيام السبعة السابقة تجاوز بقليل 9 ملايين برميل يومياً. وأضاف أن احتساب الإمدادات المنقولة عبر خطوط الأنابيب البديلة في السعودية والإمارات يرفع التدفقات الخارجة من المنطقة إلى نحو 13 أو 14 مليون برميل يومياً.
وتوثّق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية انكماشاً حاداً في التدفقات خلال مرحلة سابقة. فقد انخفض عبور النفط والمنتجات النفطية من 21.6 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من عام 2025 إلى 4.9 ملايين في الربع الثاني من عام 2026، بتراجع يقارب 77.3%. وتختلف الفترة التي تغطيها هذه البيانات عن المتوسط الأسبوعي الذي استند إليه رايت.
وتكتسب الروايات المتنافسة عن حركة المضيق أهمية تتجاوز أعداد السفن وحمولاتها. فالإدارة الأميركية تحتاج إلى إقناع الأسواق بأن الإمدادات مستمرة وأن الحصار يضغط على إيران، فيما تتمسك طهران بقدرتها على إرباك التجارة بوصفها ورقة لإجبار واشنطن على التراجع.
ومن هنا، يرتبط الرهان الإيراني بحجم الضرر الذي تتحمله الاقتصادات المعتمدة على طاقة الخليج، وخصوصاً الصين والهند واليابان ودول أوروبا، ومدى استعدادها للتحرك سياسياً لوقفه.

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل بندر عباس في جنوب إيران، 7 أيلول/سبتمبر 2026. (أ ف ب)
سباق بين الضغط والصمود
تواجه هذه الحسابات كلفة متزايدة في الداخل الإيراني. فالحصار البحري الأميركي الذي بدأ في 13 نيسان/أبريل 2026 يستهدف صادرات النفط وحركة التجارة، ويضغط على موارد الدولة وقدرتها على تأمين احتياجاتها. ووفق حصيلة أعلنتها القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" في 6 أيلول، حوّلت القوات الأميركية مسار 92 سفينة تجارية وعطّلت 3 سفن.
وتزامن تراجع الإيرادات مع ارتفاع سعر الدولار في الأسواق الإيرانية وتفاقم الغلاء، ما زاد الأعباء على السكان والمخاوف من تجدد الاحتجاجات. وفي هذا المناخ، حذّر قائد الشرطة أحمد رضا رادان من التعامل مع من وصفهم بـ"مثيري الشغب" الداخليين كما يُتعامل مع المعتدين الخارجيين.
وأمام الحصار، تبرز ثلاثة خيارات في الحسابات الإيرانية.
1- تحمّل القيود والاستنزاف الاقتصادي، مع ما يحمله استمرارهما من مخاطر سياسية واجتماعية.
2- توسيع المواجهة العسكرية، بما يزيد احتمالات اتساع الحرب والخسائر البشرية.
3- الجمع بين أدوات عسكرية واقتصادية تنقل جانباً من كلفة الحصار إلى الولايات المتحدة وشركائها.
ودفع المتشددون نحو الخيار الثاني، مطالبين القوات المسلحة بتوسيع العمليات حتى خلال التجمعات الليلية. أما المسار الذي تتبناه طهران، وفق هذه القراءة، فيجمع الضغط على الملاحة بإجراءات تستهدف تخفيف انكشاف اقتصادها على الحصار.
وفي هذا الإطار، أعلنت السلطات الإيرانية تفعيل ممرات برية بديلة وترتيب مسار بالتفاهم مع عُمان لتأمين السلع الأساسية. وتهدف هذه الخطوات إلى تنويع طرق الإمداد وإطالة قدرة البلاد على تحمّل القيود البحرية.
تريد طهران الوصول إلى أي مفاوضات محتملة وهي قادرة على تأمين احتياجاتها وإبقاء كلفة الحرب مرتفعة لدى الآخرين، أملاً في إنهاء المواجهة وفقاً لتفاهم إسلام آباد. لكن تحوّل الخسائر العالمية إلى مكسب تفاوضي إيراني يتوقف على اتجاه الضغط الذي تولّده. فالدول المتضررة قد تضغط على واشنطن لرفع الحصار، وقد تطالب طهران أيضاً بتخفيف تهديداتها للملاحة. وبين الاحتمالين، يظل الوقت عاملاً حاسماً لدولة تسعى إلى استثمار وجع العالم فيما تتراكم أعباء الحرب على سكانها.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.