أمتطرفون أم مبتكرون؟
لا نموّ بلا ابتكار، ولا كرامة إنسانية بلا تزاوج الابتكار والأخلاق. مؤسساتنا الدينية مدعوة إلى تدعيم الأطر الأخلاقية، فلا تتفلّت التكنولوجيا وتزيل الخليقة.
كثرة المتطرفين وقلة الأخلاقيين انعكاسٌ لأزمة مؤسساتٍ تفرغ من مضمونها. على الأديان أن ترفدنا بالموارد المعنوية والرمزية التي تدعم وجودنا وإبداعنا، فتنمي إحساسنا بالغاية، وتجيب عن الأسئلة الوجودية، وتوظف مواهبنا في قبول الآخر واحترام الكرامة الإنسانية. وحين تعجز عن ذلك، تنتفي الحاجة إليها. وقد رصدت دراسة (Bénabou et al., 2015) ارتباطا سلبيا بين التديّن المفرط والانفتاح على الأفكار الجديدة.
الدين مدعوٌّ إلى دعم الابتكار، مع المساءلة عن غاياته ووسائله وآثاره، والعمل على توزيع منافعه بعدالة، ومساندة المظلومين.
أرثوذكسيا، شكّل إعلان الكنيسة الروسية قداسة لوقا رئيس أساقفة سيمفروبول عام 2000، تحوّلا جزئيا في نظرة الأرثوذكس إليه. فقد جمع بين الجراحة والتدريس والخدمة الأسقفية. الأرثوذكس ينظرون إلى القداسة على أنها ثمرة للنسك. والمطلوب أن يفتشوا عنها بين من يواجه العنف والإقصاء وتحديات العصر، سواء أكل العشب أو لم يأكل.
نيكولا تسلا، المولود عام 1856 لأسرة صربية أرثوذكسية، نموذج للدرس. والده كان كاهنا، وأمّه تمتعت بمهارة الابتكارات المنزلية. في حوارها مع القابلة، أرادت الأم أن يكون طفلها الذي ولد في العاصفة "طفل النور"، فأمسى كذلك.
وتكمن أهمية تسلا (1856–1943) في إسهاماته التي أرست البنية الكهربائية. فقد طوّر أنظمة التيار المتناوب المتعدّد الأطوار والمحرك الحثّي، فنقل الطاقة الكهربائية بكفاءة عبر مسافات طويلة لاستخدامها في الصناعة والحياة اليومية. وفتحت تجاربه في التيارات العالية التردّد والاتصالات اللاسلكية والتحكّم عن بُعد في آفاق تقنية صارت لاحقا مجالات رئيسية للتطوّر التكنولوجي. وربط بين التصوّر العلمي والتطبيق الهندسي، فكان نموذجا لدور الإبداع والابتكار في التحوّلات الصناعية والاجتماعية التي طبعت عصره. وظّف العلم لخدمة الناس والحدّ من الحروب، فبلغ قامةً كبيرة.
به أدركنا أنّ القيمة الاجتماعية المتوقّعة لفكرة ما إذا ما اختلفت عن عائد المستثمر، يتعطّل المشروع. فبرج "Wardenclyffe"، الذي طوّره بدعم من جاي بي مورغان لإنشاء منظومة عالمية للاتصالات ونقل الطاقة لاسلكيا، توقّف بسبب ذلك. تسلا ربح "حرب التيارات". فقد انتصر التيار المتناوب الذي طوّره بدعم شركة "وستنغهاوس"، على حملات تشكيك معسكر إديسون.
يُفترض بمؤسساتنا الدينية أن تُنتج نماذج كتسلا، تبتكر في الحب لا في الموت. فالله ليس إله سفك الدماء، بل إله سلام.
لقد حان الوقت لمراجعة الأداء. وما جرى في الأردن ويجري في المنطقة مؤشرٌ ينذر بالأسوأ، ويتطلب معالجة طرق فهم النصوص الدينية.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.