احتجاجات فرنسا وتصاعد خطاب اليمين... قلق في صفوف المهاجرين "غير الشرعيين"
تثير الاحتجاجات والتوترات الأمنية في فرنسا مخاوف لدى مهاجرين تونسيين يقيمون على أراضيها من دون تصاريح إقامة سارية المفعول، في ظل انشغالهم بتداعيات النقاش المتصاعد في باريس بشأن الهجرة والأمن على أوضاعهم القانونية. وبين الخشية من التوقيف واحتمال الإبعاد، يجد بعضهم أنفسهم أمام حالة من عدم اليقين بشأن مستقبلهم في البلاد.
الخوف من الترحيل
لا تقتصر مخاوف المهاجرين غير النظاميين (بلاش أوراق كما يسمَّون محلياً) على تداعيات الاحتجاجات، بل تمتد إلى احتمال التوقيف والتحقق من الهويّة والوضع القانوني، وهي إجراءات قد تثير قلقاً خاصاً لدى من لا يملكون تصاريح إقامة سارية.
"أشعر بأنني قد أُرحّل في أي لحظة"... بهذه الكلمات يلخص فتحي مخاوفه من تداعيات التطورات الأخيرة، وهو مهاجر تونسي وصل إلى فرنسا قبل نحو ثلاثة أعوام بطريقة غير نظامية.
ويقول فتحي في حديث لـ"النهار" إن الأجواء الأخيرة عمّقت شعوره بعدم الاستقرار، ودفعته إلى توخي الحذر وتجنب بعض الأماكن العامة. ويضيف أن الخوف من الترحيل يرافقه منذ وصوله إلى فرنسا، لكنه يشتد كلما تصاعد النقاش بشأن الهجرة والأمن، خصوصاً في ظل ما يصفه بتنامي الخطاب المعادي للمهاجرين.
ويشير إلى أن بعض النقاشات تربط أبناء المهاجرين بأعمال العنف والاضطرابات، وهو ما يزيد مخاوفه من انعكاس هذه الأجواء على التعامل مع المقيمين بطريقة غير قانونية.
تجربة سابقة مع الشرطة
وبدوره يستحضر هادي، الذي يقيم في فرنسا منذ أكثر من عشر سنوات من دون وضع إقامة مستقر، تجربة سابقة مع الشرطة الفرنسية، لا تزال حاضرة في ذاكرته كلما تصاعد التوتر الأمني.
ويقول هادي لـ"النهار" إن الخوف من الترحيل يتجدد مع كل حدث أمني، موضحاً أن الاحتجاجات الأخيرة أعادت إلى ذهنه تجربة توقيفه خلال عملية روتينية للتحقق من الهوية.
ويضيف أنه تقدم أكثر من مرة بطلبات لتسوية وضعيته، لكنه لم يحصل حتى الآن على النتيجة التي تتيح له الاستقرار القانوني، ما يبقيه، وفق روايته، "في حالة ترقب بشأن مستقبله في فرنسا".

طلاب يتظاهرون في فرنسا وغرافيتي جنبهم على الحائط.
وفي تقديره، قد تكون الاحتجاجات الأخيرة سبباً لمزيد من التشدد في دراسة ملفات من هم في مثل وضعه. وتنظم القواعد الفرنسية عمليات التحقق من الهوية في حالات يحددها القانون، وتتيح إخضاع الأجانب لإجراءات للتحقق من وضع إقامتهم وفق شروط وضوابط قانونية.
ماذا عن أرقام الجالية التونسية؟
تأتي هذه المخاوف في سياق وجود جالية تونسية كبيرة في فرنسا، تضم مهاجرين نظاميين وآخرين يواجهون صعوبات في تسوية أوضاعهم القانونية.
ووفق الأرقام الواردة في معطيات ديوان التونسيين بالخارج، يُقدّر عدد التونسيين المقيمين في فرنسا بنحو 976 ألفاً، ما يجعلها إحدى أبرز وجهات التونسيين في الخارج.
ويعيش في فرنسا آلاف التونسيين بطريقة غير نظامية وارتفع عددهم منذ أحداث 2011، حينما ارتفعت وتيرة عمليات الهجرة بحراً نحو أوروبا.
وأظهرت بيانات وزارة الداخلية الفرنسية ارتفاع عمليات إبعاد فرنسا التونسيين الموجودين في وضع غير نظامي خلال عام 2025، إذ نفذت السلطات 1,521 عملية إبعاد، مقابل 1,266 في العام السابق، بزيادة بلغت 20.1 في المئة.
وفي المؤشر المتعلق بالتوقيفات، ارتفع عدد التونسيين الذين أوقفتهم السلطات الفرنسية بسبب وضعهم غير النظامي من 13,414 في 2024 إلى 16,366 في 2025، بزيادة قدرها 22 في المئة.
الهجرة والأمن في قلب النقاش السياسي
تتزامن هذه المخاوف مع استمرار الجدل السياسي في فرنسا بشأن الهجرة والاندماج والأمن والنظام العام. وفي هذا السياق، يرى الناشط الحقوقي المقيم في فرنسا كمال العريبي أن هشاشة الوضع القانوني تمثل عاملاً أساسياً في شعور المهاجرين غير النظاميين بـ"عدم الاستقرار".
ويقول العريبي إن الربط بين الهجرة والقضايا الأمنية يزيد قلق هذه الفئة، خصوصاً عندما تتداخل في الخطاب السياسي والإعلامي مسائل الهجرة والاندماج والاضطرابات الاجتماعية.
ويشير إلى أن غياب تصريح إقامة ساري المفعول قد يجعل الاحتكاك بالشرطة أو التحقق من الوثائق تجربة مثيرة للقلق، حتى في غياب أي ارتباط مباشر بالاحتجاجات أو أعمال العنف.
ويربط هذه المخاوف بتصاعد الخطاب السياسي لليمين المتطرف، الذي يقول إنه يستغل الاحتجاجات لمهاجمة المهاجرين وتحميل أبناء الأسر المهاجرة مسؤولية الاضطرابات الأخيرة.
وبين المخاوف الشخصية والإجراءات القانونية والنقاش العام بشأن الهجرة، يبقى مستقبل آلاف التونسيين المهاجرين بطريقة غير نظامية إلى فرنسا مجهولاً في ظل توجه عام نحو تبنّي سياسات متشددة بشأنهم.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.