الموقعة الثالثة... هل هي ثابتة؟
تتزاحم التهديدات والتطورات الميدانية والسياسية لتضع لبنان على مفترق طرق خطير، متمثلاً في احتمال اندلاع موجة ثالثة من الحرب، وسط تصاعد التهديدات الإسرائيلية الأخيرة التي تلوح بإحتلال مدن كبرى مثل صيدا، صور، والنبطية، وفرض حصار على مرفئي بيروت وطرابلس، وقصف العاصمة وضاحيتها الجنوبية، يبرز السؤال الملح: هل أصبحت هذه الموقعة حتمية وثابتة؟
تتراكم المؤشرات الميدانية والسياسية لتشير إلى أن احتمال اندلاع موجة ثالثة لم يعد مستبعداً، بل هو سيناريو جدي يلوح في الأفق. فالإستراتيجية العسكرية التصعيدية للكيان تعتمد على كسر قواعد الوقف الموقت وفرض معادلات جديدة بالقوة المفرطة، ما يجعل الجبهة اللبنانية عرضةً لإنفجار واسع النطاق في أي لحظة.
ويشهد الشريط الحدودي والقرى الأمامية في جنوب لبنان عمليات تجريف ممنهجة وتدميراً للبنية التحتية وتحولاً جذرياً في المعالم الجغرافية. تسعى آلة الإحتلال عبر شق الطرق العسكرية المستحدثة وهدم التلال الحاكمة إلى فرض واقع ديموغرافي وجغرافي جديد يهدف إلى عزل الجنوب وفصل بيئته الحاضنة، في محاولة طويلة الأمد لتغيير هوية المنطقة وإستقرارها السكاني.
فمع تراجع دور القوة الدولية (اليونيفيل) وتقليص حركتها أو إستهدافها المباشر، يواجه القرار 1701 تحديات وجودية. إن أي تراجع أو إنسحاب كلي لهذه القوات سيفسح المجال أمام فراغ أمني كبير، مما يرفع من منسوب الإحتكاك المباشر ويزيد من إحتمالات التصعيد المفتوحة من دون أي مظلة أو رقابة دولية.
بينما تقف الدولة اللبنانية، بأجهزتها الرسمية ومؤسساتها، عاجزة ومكبّلة بفعل الأزمات الإقتصادية والسياسية المستحكمة.
إن غياب خطط الطوارئ الفعالة وضعف الحضور الإنساني والسياسي الفعلي في الجنوب، يعكسان غياب القرار السيادي الموحد، مما يترك الساحة مكشوفة أمام التداعيات الكارثية للحرب المحتملة.
فكيان العدو لا يخفي أطماعه التاريخية والاستراتيجية في ثروات لبنان المائية والنفطية، فضلاً عن السعي المستمر لإقامة ما يُسمى "المجال الحيوي الأمني". هذه المزاعم تتجاوز حدود الأمن الدفاعي لتصل إلى مساعي إعادة هندسة الجغرافيا السياسية للمنطقة عبر التوسع وفرض السيطرة.
- الدور الدولي والإقليمي والعربي في ما يسمى (شرق أوسط جديد)
تتفاعل في الأزمة اللبنانية مشاريع إقليمية ودولية تسعى لإعادة صوغ الشرق الأوسط وفق مصالح القوى الكبرى.
وسط صمت عربي رسمي وتواطؤ دولي في كثير من الأحيان، يُستغل لبنان ساحة لتصفية الحسابات وفرض تسويات كبرى تهدف إلى تقويض قوى الممانعة ودمج المنطقة في هيكلية جديدة تخدم الهيمنة الغربية والإسرائيلية.
رغم هول التدمير والغطرسة الإسرائيلية وسياسة الأرض المحروقة، تواصل المقاومة إثبات قدرتها على التكيف والردع. فرغم الخسائر الكبيرة واستهداف بنيتها القيادية والبشرية، تحافظ المقاومة على جهوزية عالية لمواجهة أي غزو بري أو عدوان واسع، مستندة إلى تكتيكات حرب العصابات وإرادة صلبة ترفض الاستسلام.
- البيئة الحاضنة: هل لا تزال الأرضية جاهزة بعد ثلاث سنوات حرب؟
أكملت حرب الإسناد والتدمير عامها الثالث مثقلة بالأعباء الإنسانية والإجتماعية والإقتصادية الهائلة من نزوح ودمار شامل.
ورغم القساوة غير المسبوقة، لا تزال البيئة الحاضنة للمقاومة تظهر تماسكاً ملحوظاً، مستندة إلى روابط التضامن والتكافل، إلا أن حجم المعاناة يضع هذه الجاهزية تحت ضغط إستثنائي يتطلب مقومات صمود مستدامة.
في ضوء التهديدات الأخيرة بإستهداف المدن الكبرى مثل صيدا وصور والنبطية ومحاصرة المرافئ، يبدو سيناريو الموقعة الثالثة محفوفاً بالمخاطر الوجودية. إن الأحداث المفترضة تتأرجح بين حرب إستنزاف قاسية تفرضها غطرسة كيان العدو الإسرائيلي، وبين قدرة لبنان ومقاومته على كسر أهداف العدو.
وبغض النظر عن طبيعة الإنفجار القادم، فإن مرحلة ما بعد هذه الموقعة سترسم ملامح لبنان والمنطقة لعقود قادمة.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.