المعرض الوطني للكتاب التّونسي في دورته الخامسة: في المصالحة بين الكتاب والفنون...
ما الذي يمنع من تحويل الرّوايات التونسية إلى سيناريوهات أعمال درامية أو سينمائية أو مصالحته مع أشكال فنية تعبيرية أخرى؟ وما الذي يتبقى من أثر الكتاب في زمن تتبدّل فيه علاقة الإنسان بالمعرفة تحت تأثير الذكاء الاصطناعي والوسائط الرقمية؟ وأيّ أدب قد نقدّمه للنّاشئة في السياقات الجديدة؟
هذه الأسئلة التي كانت تطرح في الفضاءات الخاصّة أومن خلف شاشة الهاتف أو الحاسوب، أخرجها المعرض الوطني للكتاب التونسي إلى الفضاء العام. لتشكّل مضامين حوارات وجدالات فكرية مفتوحة للعموم ويديرها فاعلون في كل المجالات الفكرية والفنية والإبداعية.
وكان المعرض الوطني للكتاب التونسي الذي يتولى إدارته مدير معهد الترجمة توفيق قريرة ويشرف على أنشطته الثقافية محمد المي، قد انطلق منذ الثالث والعشرين من الشهر الجاري ويتواصل إلى غرة نوفمبر 2026 تحت شعار "اقرأ...الحياة تشرق" وبمشاركة 66 دار نشر تعرض نحو 1400 عنوان في مختلف الأجناس الأدبية والفنون.
أدب الطفل: توسيع دوائر القراءة
يحضر أدب الطفل واليافعين في مساحة واسعة من البرمجة لتجمع ورشات المطالعة والعروض المسرحية والفنية والتجارب الرقمية. ومن بين العروض المبرمجة "السدّ مرة أخرى" و"رؤية" و"رسائل من الفضاء" ...إلخ. وورشات في الفن التشكيلي باستخدام الواقع المعزز، وصناعة القصة الرقمية، والرسكلة وإعادة التدوير والفرز الذكي، إلى جانب ألعاب الذاكرة التفاعلية للتعريف بالتراث التونسي. ويختتم برنامج الأطفال واليافعين في الأول من نوفمبر بحفل لتوزيع الجوائز.
الشعر والقصة القصيرة والرواية: أسئلة الأجناس والتحوّلات
فتح البرنامج الثقافي نافذة على الشعر، من خلال قراءات شارك فيها عدد من الشعراء، بينهم رحيم جماعي وعادل همامي ونزار الحميدي وناظم بن إبراهيم وأفراح الجبالي وجهاد المثناني وعادل معيزي. كما ينتظم لقاء حول حضور الشعر في الأجناس الأدبية، بمشاركة آدم فتحي وهند السوداني في محاولة لاستكشاف الحدود التي تفصل الأجناس الأدبية بقدر ما تصل بينها.
وتستعيد القصة القصيرة حضورها من خلال لقاءات وشهادات تتناول مسار هذا الجنس الأدبي في تونس، واتجاهاته وتحولاته، ومدى حضور الدراسات التي تتناوله خارج الحدود الوطنية. ويشارك في النقاش نور الدين بن خود ورضا بن صالح وسمير المسعودي، إلى جانب شهادات يقدمها صالح الدمس ونافلة ذهب وأحمد ممّو، مع استضافة أعضاء من نادي القصة.
أما الرواية، فتحضر خلال لقاء بعنوان "الرواية في تونس: مسترسل أم جزر؟" بمشاركة مسعودة بوبكر وجليلة الطريطر وعلي العباسي. ويفتح العنوان المجال للتفكير في مسارات الرواية التونسية ومدى اتصال تجاربها بعضها ببعض أو تباعدها من حيث الموضوعات والأساليب والرؤى.
النشر والقرصنة: حقوق الكتاب في البيئة الرقمية
لا ينفصل النقاش حول مستقبل الكتاب عن الإطار القانوني والاقتصادي الذي يضمن استمرارية إنتاجه وتداوله. وفي هذا السياق، خصّص المعرض لقاءً للناشرين حول النشر والقرصنة، تناول حقوق الملكية الفكرية والقرصنة الإلكترونية وتأثيراتهما على النشر الرقمي، بمشاركة محمد العمايري وعماد العزابي ورياض شنيتر. وتكمن أهمية هذا المحور مع اتساع تداول الكتب والمحتويات عبر الوسائط الإلكترونية، وما يرافقه من صعوبات تتعلق بحماية حقوق المؤلفين والناشرين. فسهولة الوصول إلى المعرفة تطرح، في الوقت نفسه، سؤالاً عن حدود الاستخدام المشروع للمحتوى وعن كيفية تحقيق التوازن بين توسيع دائرة القراءة وضمان حقوق أصحاب الأعمال الفكرية. فلا تبدو القرصنة مسألة تقنية أو تجارية فحسب، بل جزءاً من نقاش متعدّد الأبعاد حول مستقبل صناعة الكتاب، وشروط استمرارها في بيئة تتغير فيها طرق الإنتاج والتوزيع والاستهلاك الثقافي.
الكتاب المترجم: من نقل اللغة إلى نقل المعرفة
خصّص البرنامج مساحة للكتاب المترجم في تونس، من خلال شهادات تتناول الترجمة من الفرنسية والإنكليزية والإسبانية والروسية، بمشاركة آمنة الوزير وراشد خليفة وميمونة حشاد وهيفاء الطرابلسي. ويتواصل النقاش حوله في ندوة حول الترجمة المختصة بعنوان "ما بعد التحكم في اللغتين: خبرة الاختصاص" بمشاركة عبد العزيز العيادي في الفلسفة، وحمادي بن جاب الله في العلوم، وآمال قرامي في الأديان. ويضع هذا المحور الترجمة داخل سياقها المعرفي، بعيداً عن اختزالها في نقل مفردات لغة ما. فتستدعي ترجمة الفلسفة والعلوم والأديان الإلمام بالمفاهيم والسياقات والحقول المعرفية، ما يجعل الاختصاص شرطاً من شروط الدقة وجسراً لنقل الأفكار والخبرات بين الثقافات.
المسرح والسينما والفنون التشكيلية والموسيقى: الكتاب فضاءً فنياً
تتجلى فكرة المصالحة بين الكتاب والفنون بوضوح في المحاور المخصصة للمسرح والسينما، حيث يصبح النص مادة لإعادة التفكير في العلاقة بين الكتابة والأداء وبين الحكاية المكتوبة والصورة خلال لقاءات تتناول العلاقة بين الكتابة المسرحية والكتابة الركحية، وحركة اللغة والجسد في العرض، والحوار بين النص والركح. ويشارك في هذه اللقاءات توفيق الجبالي وفاضل جعايبي وحمادي المزي، إلى جانب فوزية بلحاج وعبد الحليم مسعودي وحمدي الحمايدي، فيما يشارك حبيب بيدة وسامي بن عامر ووصال العش في النقاشات المبرمجة.
أما السينما فتحضر تحت عنوان "السرد بعدسات تونسية" عبر ندوة حول الاقتباس السينمائي برئاسة أنس كمون ومشاركة كمال بن وناس ومحمد بوحجر، وباستضافة الجمعية التونسية للنهوض بالنقد السينمائي. بالإضافة إلى فتح نقاشات حول الأفلام. ويعيد هذا المحور طرح سؤال العلاقة بين النص الأدبي والصورة السينمائية: ماذا يحدث للحكاية حين تنتقل من اللغة إلى الصورة؟
ويتشكّل فضاء الكتاب الفني بحضور الفنون التشكيلية في لقاءات تتناول الحروفية والنحت والكتاب الفني الفاخر، بمشاركة نجا المهداوي والهاشمي مرزوق ومحمد صالح بالطيب. ويكتمل المشهد بمحور الكتاب والموسيقى الذي يستعيد صلة الكلمة المكتوبة بالصوت والإيقاع، ويتيح التفكير في المسافة بين النص حين يُقرأ والنص حين يتحول إلى تجربة موسيقية.
الذكاء الاصطناعي: هل يغيّر الكتاب والكتابة؟
يمثل برنامج مركز تونس الدولي للاقتصاد الثقافي الرقمي أحد المحاور اللافتة في هذه الدورة، إذ يتناول التحولات التي تشهدها صناعة الكتاب في ظل التطور التكنولوجي: من الكتب الصوتية والقراءة الرقمية إلى الذكاء الاصطناعي وإنتاج القصص المصورة وعرض تجارب ثقافية مبتكرة ومشاريع لمؤسسات ناشئة تعمل على تطوير المحتوى الثقافي والكتاب باستخدام التكنولوجيا إلى جانب جلسات استماع إلى عينات من الكتب الصوتية والتجارب السمعية الرقمية. كما تنتظم ندوة في "الكتاب والكتابة في العصر الرقمي: من الذكاء الاصطناعي إلى تجارب القراءة الجديدة"، لمناقشة التحولات التي تفرضها التكنولوجيا على الكتابة والإنتاج والتلقي.
لكن حضور الذكاء الاصطناعي يفتح أسئلة تتجاوز إمكاناته التقنية. فإذا كانت الأدوات الرقمية توسّع فرص الوصول إلى الكتاب وتتيح أشكالاً جديدة من السرد، فكيف يمكن ضمان جودة المحتوى ودقة المعلومات وحماية حقوق الملكية الفكرية؟ وأين يتموقع الكاتب في عملية إبداع باتت تتيح للآلة المشاركة في إنتاج النص والصورة؟
لا يقدم تنوع الوسائط إجابات جاهزة عن هذه الأسئلة، لكنه يجعلها جزءاً من النقاش الثقافي الضروري حول مستقبل القراءة والكتابة والتي يمكن أن تكون امتداداً مع المصالحة بين الكتاب والفنون حتى تشرق الحياة ونحن نقرأ.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.