PunchOndo orders removal of abandoned heavy vehicles, equipment on roadsCNN TürkFransa'da grev dalgası: Ülke genelinde sokaklara döküldülerDaily MaverickROVING REPORTERS: Inside the Gauteng caves where rocks reveal the mysteries of Homo nalediThe Jerusalem PostIran receives US feedback on seven-day trust-building plan, main issue is sequencingInquirerHouse prosecution to present Duterte’s bank records within the weekCapital FMIsrael-bound flight diverted after fight between pilotsObservador DesportoPortugal regista 2.º maior número de expulsões na UEABC NewsLast US troops expected to leave Iraq on Wednesday following 12-year ISIS fightColliderThe 10 Best Slice-of-Life Books, RankedThe GuardianIsrael-bound passenger plane makes emergency landing in Saudi Arabia after reported fight between pilotsNotJustOkFor Me Lyrics by FidoStraits Times SportForever our champion: Gym pays tribute to S’porean muay thai fighter who died after bout
The Daily Newsstand · Free, Always
Wednesday, September 30, 2026

من الدور إلى الرسالة، قراءةٌ في زيارة البطريرك يوحنَّا العاشر إلى روما

Translate

لعلّ أكثر ما يستحقّ التوقّف عنده في زيارة البطريرك يوحنّا العاشر إلى روما، سؤال أعمق من مدى التقارب بين كنيستين رسوليّتين تنبتان من جذرٍ واحد، ومن طبيعة القراءة البروتوكوليّة أو الكنسيّة للزيارة، إنّه سؤال يتجاوز هذه الاستفسارات جميعها. ما معنى أن تكون لأنطاكية رسالة رفيعة، لا مجرّد دورٍ عابر؟ ومع أنّ الزيارة لم تعلن هذه الصيغة حرفيّاً، فإنّ النظر في دلالتها وتدقيق سطور بياناتها يتيح مثل هذا الطرح ويبيحه.
لا ريب أنّ الدور، بمعناه العميق، وظيفة يؤدّيها المرء داخل أُنظومةٍ تحتضنه؛ فالممثّل، على خشبة المسرح، يتماهى بصورةٍ كليّةٍ مع شخصيّةٍ مفترضةٍ يلبس قناعها، وينطق بلسانها على ما تقتضيه الحبكة. هكذا يختبئ خلف مهمّةٍ يؤدّيها بإتقان؛ وما إن يسدل الستار حتّى يعود إلى حقيقته. وليس في ذلك انتقاص من قيمة الأداء، لكنّ الدور يظلّ أداءً داخل سياقٍ محدّد، قابلاً لأن يتبدّل بتبدّل النصّ أو انتهاء العرض.
أمّا الرسالة فتتجاوز الخشبة والجمهور اللذان يمنحانها الشرعيّة الواجبة، إذ تنبثق من معانٍ أعمق للوجود، ومن فهمٍ لما ينبغي أن يكونه هذا الوجود في العالم. إنّها ليست مجرّد وظيفةٍ تؤدّى لتبرير المنفعة، بل مسؤوليّة تتجدّد كلّما تجسّدت علاقةّ حيّة فاعلةً بالإنسان والآخر وبهيئة المجتمع.
من هنا، تجدر إعادة النظر في السؤال الذي طالما شغل أهل المسيحيّة في المشرق. ما دور المسيحيّين في الحضارة العربيّة؟ لا شكّ في أنّ السؤال على درجةٍ عاليّةٍ من الأهميّة، ويقيناً أنّ للمسيحيّين مساهمات راسخة في تاريخ المنطقة وثقافتها وحياتها الفكريّة والاجتماعيّة، عبر الكنائس والأديرة والمدارس والجامعات والمستشفيات والمؤسّسات المتنوعة. لكنّ السؤال، على أهميّته، قد يخفي في أعماقه إشكاليّةً أخرى أكثر إرباكاً. هل نحتاج كلّ مرةٍ إلى إثبات ما فعلناه لكي نشرّعن حقنا في أن نكون؟
وكأنّ الكينونة المشرقيّة تضطر للوقوف في طابورٍ طويل، تنتظر تقديم أوراق إنجازاتها كيما تنتزع شرعيتها وتبرّر أصالة وجودها وتاريخانيّة حضورها. غير أنّ المواطنة لا ينبغي أن تكون مكافأةً على أداءٍ وظيفيّ، ولا أن يتحوّل الوجود المشترك إلى مسابقةٍ في إثبات الذات.
ولعلّ الخطأ يبدأ لحظة الطلب من "الدور" أن يبرّر "الوجود". فالإنسان لا يُعامل كما تعامل الأدوات، بوصف قيمته متوقّفةً على استمرار وظيفته. والكنيسة ليست أداةً تستبدل حين تنتهي إحدى وظائفها، والمسيحيّون ليسوا وسيلةً لغايةٍ حضاريّةٍ تبرّر بقاءهم. إنّ قيمة الوجود الإنسانيّ الرفيع لا تُقاس فقط بما يؤدّيه من وظيفة، كما أنّ حقّ جماعةٍ بشريّةٍ في الانتماء إلى وطنها لا يتوقّف على قدرتها على تقديم كشفٍ بإنجازاتها.
وعليه، فالمشكلة ليست في أن يكون للمسيحيّين دور، بل في أن يتحوّل هذا الدور إلى شرطٍ للاعتراف بهم، أو إلى قناعٍ يخفي وراءه القلق من سؤالٍ أعمق: هل يُعترف بوجودنا لأنّنا موجودون، أم فقط لأنّنا كنّا نافعين للآخرين؟
ولعلّ كلام غبطة البطريرك يوحنّا العاشر في دير بوزيه يكتسب، من هذه الزاوية، دلالةً تتجاوز المناسبة. ففي خطابه المعنون "حضورٌ حيٌّ ومستقبلٌ مشترك، مسيحيو الشرق الأوسط، من الناجين إلى صانعي السلام"، دعا إلى تجاوز سرديّات التراجع والبقاء والحماية، والنظر إلى المسيحيّين بصفتهم مواطنين كاملين وشركاء فاعلين في بناء مجتمعاتٍ أكثر سلاماً وانفتاحاً. وقد شدّد على أنّ الحضور المسيحيّ في الشرق ليس حضوراً هامشيّاً أو غريباً، وأنّ الانتقال المطلوب ليس من الخوف إلى الأمان فحسب، بل من موقع الجماعة التي تنتظر الحماية إلى موقع الشريك الذي يساهم في صناعة السلام.
عند هذا الكلام ينتقل النقاش من سؤال البقاء إلى سؤال الشهادة. فالمسيحيّون لا يطلبون أن يُنظر إليهم بصفتهم جماعةً تحتاج دائماً إلى الإنقاذ، بل بصفتهم جزءاً أصيلًا من مجتمعاتهم، قادراً على المشاركة في إعادة بناء الثقة والسلام. ولا تنفصل حماية الوجود المسيحيّ عن حماية المبدأ الأشمل، في أن يكون لكلّ إنسانٍ حقّ الانتماء والمشاركة والأمل.
ومن هذه الزاوية أيضاً، ينبغي فهم زيارة غبطة البطريرك بوصفها توسيعاً لمساحة التواصل، مع صون استقلاليّة أنطاكية وخصوصيتها. بهذا المعنى تسقط كل اتهامات التبعية لروما أو الانكفاءات تحت مظلّتها. ففي اللقاء مع قداسة البابا لاون الرابع عشر، جرى التطرّق إلى العلاقات التاريخيّة بين كنيستيّ أنطاكية وروما، القائمة على الاحترام المتبادل، وإلى أوضاع المسيحيّين في الشرق، ولا سيّما منهم في سوريا ولبنان. وأكّد غبطة البطريرك أنّ المسيحيّين جزء أصيل من النسيج السوريّ، وأنّهم "لا يستجدون المواطنة"، داعياً إلى تجاوز منطق الأكثريّة والأقليّة نحو مواطنةٍ متساوية في الحقوق والواجبات لجميع السوريّين.
وفي هذا الإطار، تبدو الزيارة تعزيزاً لمساحة التواصل وتمتيناً لأواصر الأخوّة ورفعاً لصوتٍ أنطاكيٍّ نبويّ، ودفاعاً نبيهاً عن رؤيةٍ أرحب للمشرق، رؤية تقوم على بناء مجتمعاتٍ يتساوى فيها المواطنون أمام القانون، ويكون فيها المسيحيّون والمسلمون وسائر أبناء المنطقة شركاء في صناعة المستقبل.
عند هذه النقطة تحديداً تكمن قيمة الزيارة: أن تخرج أنطاكية من سؤال ما هو دورنا؟ إلى سؤال ما هي رسالتنا؟ فالدور قد يتبدّل بتبدّل موازين القوى، أمّا الرسالة فتظلّ معياراً متجدّداً لمعنى الوجود. هل تستطيع أنطاكية أن تحضر من دون أن تتحوّل إلى أقليّةٍ خائفة؟ وأن تنفتح من دون أن تذوب؟ وأن تتعاون من دون أن تفقد هويّتها؟ وأن تختلف في الرأي من دون أن يتحوّل الاختلاف إلى تفكيكٍ للجماعة؟
بيد أنّ وحدة الجسد الأنطاكيّ لا تعني وحدة الرأي، كما أنّ الاختلاف لا يعني الخروج من الجماعة. فالكنيسة التي تدعو إلى احترام التنوّع في الخارج تحتاج إلى أن تتحمل الاختلاف في داخلها. لكن الخطر، كلّ الخطر، لا يبدأ من تعدّد القراءات، بل من تحوّل الاختلاف إلى تفكّك، والنقد إلى تخوين، والحفاظ على الهويّة إلى تحصينٍ لها ضدّ السؤال المتطلّب.
أنطاكية، في النهاية، لا تحتاج إلى أن تُثبت أنّ لها دوراً كي تبرّر وجودها. ما تحتاجه هو أن تعرف لماذا هي موجودة، وماذا تريد أن تقول بهذا الوجود. فالمساهمة المسيحيّة في الحضارة العربيّة حقيقة تستحقّ التقدير، لكنّها ليست ثمناً للبقاء ولا طلباً لموقعٍ في طابور المواطنة؛ إنّها ثمرة من ثمار حضورٍ أصيل، لا مبرّر آخر له.
قد يَمنح الدور أنطاكية مكاناً على مسرح التاريخ، أمّا الرسالة فتمنح هذا الحضور معنىً، وتحوّل الوجود من طلبٍ للاعتراف إلى مسؤوليّةٍ حيال الإنسان وشهادةٍ حيّةٍ حيال يسوع وإنجيله.

View the original on النهار →

KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.