اعتقال عشرة إسرائيليين على خلفية اعتداءات المستوطنين بالضفة وسط خلافات بين الأجهزة أمنية

- Author, مهند توتنجي
- Role, مراسل بي بي سي عربي - القدس
Published
مدة القراءة: 6 دقائق
أعلنت الشرطة الإسرائيلية، صباح يوم الاثنين، اعتقال عشرة مشتبه بهم إسرائيليين بسبب الاعتداءات التي نفذها مستوطنون على فلسطينيين وصحفيين ودبلوماسيين أوروبيين في الضفة الغربية المحتلة خلال الأيام الماضية.
وقالت الشرطة إن الاعتقالات نُفذت في عدة مواقع وسط الضفة الغربية، ضمن عملية أمنية أطلق عليها اسم "ورقة الزيتون"، بمشاركة جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك"، وبمساندة الجيش وشرطة حرس الحدود.
وأضافت أن القوات عثرت بحوزة المشتبه بهم على أدّلة تربطهم بالاعتداءات، وصادرت عدداً من المركبات. في غضون ذلك، تستمر التحقيقات والإجراءات الميدانية ضد بؤر استيطانية غير مرخصة ومخالفات لأوامر الإبعاد العسكرية.
وكانت الشرطة قد أعلنت في البداية اعتقال ثمانية مشتبه بهم، قبل أن ترفع العدد إلى عشرة في تحديث صدر صباح الاثنين عند الساعة الثامنة وسبع وأربعين دقيقة.
وأكد المفتش العام للشرطة الإسرائيلية داني ليفي، أن القانون يسري على الجميع في الضفة الغربية، بغض النظر عن هوياتهم أو انتماءاتهم، مشدداً على التزام الشرطة بإنفاذ القانون بصورة متساوية.
وفي تصريحات بدت رداً على الانتقادات الصادرة عن المؤسسة العسكرية، قال ليفي إنه يجب التمييز بين مسؤولية منع وقوع الاعتداءات على الأرض، ومسؤولية التحقيق فيها وإنفاذ القانون بعد وقوعها.
وتأتي هذه الاعتقالات بعد اعتداءات شهدتها الضفة الغربية يومي الجمعة والسبت، استهدف أحدها المصورة الصحفية الأمريكية هايدي ليفين، التي تعمل لصالح صحيفة واشنطن بوست، أثناء تغطيتها موسم قطف الزيتون قرب قرية أبو فلاح شمال شرقي رام الله.
وأصيبت ليفين بجراح خطيرة، بينها كسور في فقرات العمود الفقري وإصابات أخرى استدعت نقلها إلى المستشفى وإخضاعها للعلاج.
تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءة
الأكثر قراءة
الأكثر قراءة نهاية
وفي اليوم التالي، هاجم مستوطنون ملثمون وفداً من الدبلوماسيين الأوروبيين وممثلين دينيين قرب قرية الطيبة الفلسطينية، أثناء مشاركتهم في نشاط مرتبط بقطف الزيتون.
وشمل الاعتداء دبلوماسيين من بلجيكا وفرنسا وبولندا، إلى جانب رئيس بلدية فرنسي يبلغ من العمر ثمانية وسبعين عاماً، هو برنار بودو، الذي قال إن المهاجمين ضربوه بعصي وقضبان معدنية ودفعوه إلى الأرض رغم ارتدائه وشاحاً رسمياً يعرّف به بصفته رئيس بلدية.
المسألة التي لا تزال مفتوحة هي ما إذا كانت اعتقالات اليوم ستقود إلى تقديم لوائح اتهام وإجراءات أمنية أوسع، أم أن الخلافات بين الجيش والشرطة والشاباك، إلى جانب الموقف السياسي الرافض لإعادة الاعتقالات الإدارية، ستستمر في تقييد التعامل حيال هذه الاعتداءات.
تصاعد الخلاف داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
وبالتزامن مع الاعتقالات، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن تصاعد التوتر بين الجيش من جهة، والشرطة وجهاز الشاباك من جهة أخرى، بشأن التعامل مع أعمال عنف المستوطنين في الضفة الغربية.
ونقلت القناة الثانية عشرة الإسرائيلية عن مسؤولين عسكريين قولهم إن الشاباك والشرطة يمتلكان معلومات عن هوية المحرّضين الرئيسيين على هذه الاعتداءات، لكنهما لم يتخذا إجراءات لاعتقالهم.
وبحسب التقرير، فإن ما بين ثلاثين وأربعين في المئة من القوات العسكرية المنتشرة ميدانياً، والتي كانت مكلفة سابقاً بمواجهة الهجمات الفلسطينية، حُوّلت للتعامل مع أعمال العنف التي ينفذها متطرفون يهود.
ونقلت القناة عن مسؤول عسكري وصفه للمجموعات المسؤولة عن هذه الاعتداءات بأنها "عصابات من المجرمين اليهود تقودنا نحو كارثة"، مضيفاً أن الحديث يدور عن مئات الناشطين العنيفين الذين يتلقون توجيهات منظمة وتمويلاً ومساعدة قانونية، ويتمتعون بغطاء يجعلهم لا يخشون العواقب.
وتحدث المسؤول عن المعضلة التي تواجه الجنود الإسرائيليين عند التصدي للمستوطنين، متسائلاً عما إذا كان المطلوب منهم إطلاق النار على يهود، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات داخل إسرائيل.
وفي السياق نفسه، نقلت صحيفة "إسرائيل هيوم" عن مسؤول أمني إسرائيلي قوله إن الوضع خرج تماماً عن السيطرة، وإن أكثر من أربعين في المئة من عمليات الجيش في الضفة الغربية خلال الأشهر الأخيرة تركزت على التعامل مع هؤلاء المتطرفين.
وهناك فارق بين المعطيين؛ إذ تتحدث القناة الثانية عشرة عن نسبة القوات التي حُوّلت من مهامها، بينما تتحدث "إسرائيل هيوم" عن نسبة العمليات العسكرية.
اجتماع مرتقب لرئيس الأركان مع الشرطة والشاباك
وعلى خلفية هذه التطورات، من المقرر أن يعقد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، يوم الثلاثاء، اجتماعاً مع ممثلين عن الشرطة وجهاز الشاباك، لبحث تصاعد اعتداءات المستوطنين وضعف التنسيق بين الأجهزة الأمنية.
وبحسب القناة الثانية عشرة، سيطرح زامير خلال الاجتماع مسألة عدم اعتقال المحرّضين الرئيسيين، رغم ما يقول مسؤولون عسكريون إنها معلومات متوفرة لدى الشرطة والشاباك عن هوياتهم.
كما سيبحث الاجتماع إعادة توزيع المسؤوليات بين الأجهزة الثلاثة، وتحسين آليات التعامل مع الجرائم ذات الدوافع القومية.
ومن بين الإجراءات المطروحة إنشاء غرفة قيادة مشتركة، وفرض عقوبات مالية على المتورطين في الاعتداءات، تشمل مصادرة الممتلكات، إلى جانب تعزيز قوات حرس الحدود.
ويقول قادة عسكريون ميدانيون إنهم يحتاجون إلى خمس سرايا مخصصة من حرس الحدود لمواجهة عنف المستوطنين، بينما تشير التقديرات الحالية إلى احتمال تشكيل سرية واحدة فقط.
وتشير التقارير أيضاً إلى انتقادات داخل المؤسسة الأمنية للمنظومة القضائية، بسبب الإفراج عن عدد كبير من المشتبه بهم بعد وقت قصير من اعتقالهم.
مطالب بإعادة الاعتقال الإداري ضد المستوطنين
وتتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف في المطالبة بإعادة استخدام الاعتقال الإداري ضد متطرفين يهود، وهو إجراء يتيح احتجاز المشتبه بهم دون محاكمة جنائية، استناداً إلى معلومات أمنية.
وكان وزير الدفاع يسرائيل كاتس قد قرر في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 وقف استخدام الاعتقال الإداري ضد المستوطنين اليهود، مع الإبقاء على إمكانية استخدام الإجراءات الجنائية وأدوات وقائية أخرى.
وقد رحب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بالقرار آنذاك، بينما انتقدته جهات أمنية وسياسية اعتبرت أنه يضعف القدرة على منع الهجمات.
وفي الخامس من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، نقلت صحيفة "إسرائيل هيوم" عن رئيس الشاباك دافيد زيني تحذيره من أنه قد يضطر إلى التوصية بإعادة الاعتقالات الإدارية إذا لم تتخذ قيادات المستوطنين والجهات المدنية موقفاً واضحاً ضد العنف.
لكن زيني أكد في الوقت نفسه معارضته المبدئية لهذا الإجراء، مفضلاً استخدام بدائل مثل المراقبة الإلكترونية.
وبحسب التقارير الأمنية الواردة اليوم، تتزايد الضغوط داخل المؤسسة العسكرية لإعادة العمل بهذه الاعتقالات، رغم استمرار معارضة وزير الدفاع.
إدانات أمريكية وأوروبية وضغوط على إسرائيل
وأثارت الاعتداءات موجة من الإدانات الدولية، شملت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا وبلجيكا وبولندا.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن واشنطن تشعر بقلق بالغ إزاء مشاهد الاعتداءات، مؤكداً أنها طلبت من إسرائيل اتخاذ إجراءات أكثر حزماً ضد عنف المتطرفين اليهود.
كما وصف السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي الاعتداء على المصورة الأمريكية هايدي ليفين بأنه عمل إرهابي جبان، وطالب بتحقيق شامل واعتقال المسؤولين ومحاكمتهم.
وأوفدت الولايات المتحدة، الأحد، مسؤولين ودبلوماسيين إلى قرية الطيبة، حيث زاروا الكنيسة اللاتينية والتقوا بممثلين عن المجتمع المسيحي المحلي عقب الاعتداءات.
أما الاتحاد الأوروبي، فقد أدان بشدة الهجمات التي استهدفت الفلسطينيين والدبلوماسيين، وطالب بمحاسبة المسؤولين عنها ومنع تكرارها.
ودعا وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو السلطات الإسرائيلية إلى وقف الاعتداءات واعتقال مرتكبيها، بينما ربط وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو هذه الأحداث بسياسة الاستيطان الإسرائيلية، وتعهد بالضغط من أجل فرض عقوبات أوروبية إضافية.
كما أدانت بولندا الاعتداء على دبلوماسييها، وطالبت السلطات الإسرائيلية باتخاذ إجراءات حازمة.
موقف نتنياهو والمعارضة الإسرائيلية
من جانبه، أصدر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بياناً باللغة الإنجليزية دعا فيه إلى عدم التسرع في استخلاص النتائج قبل استكمال التحقيقات، وشكك في بعض الروايات المتعلقة بالاعتداءات.
كما أشار إلى أن زيارة الوفد الدبلوماسي الأوروبي جرت في منطقة حساسة دون تنسيق مسبق مع الجيش.
وأثارت هذه التصريحات انتقادات داخل إسرائيل وخارجها، خصوصاً بعد انتشار مقاطع مصورة توثق الاعتداءات.
من جهة ثانية، أدان نتنياهو الاعتداءات في تصريحات لاحقة بالعبرية، معتبراً أنها تضر بإسرائيل وبالمستوطنين أنفسهم، وقال إنه فعّل تحرك جهاز الشاباك لمواجهة المتورطين فيها.
أمّا رئيس حزب الديمقراطيين الإسرائيلي يائير غولان، فقد زار المصورة هايدي ليفين برفقة عضو الكنيست غلعاد كاريف، وقال إنه استمع منها إلى تفاصيل الاعتداء الذي تعرضت له.
وتعهد غولان بأنه سيتولى شخصياً مسؤولية إعادة فرض القانون والنظام في الضفة الغربية إذا شارك في الحكومة المقبلة.
تصاعد عنف المستوطنين خلال موسم قطف الزيتون

صدر الصورة، EPA
وتأتي هذه التطورات في ظل ارتفاع ملحوظ في الاعتداءات المرتبطة بموسم قطف الزيتون، الذي يشهد مواجهات متكررة بين مستوطنين ومزارعين فلسطينيين.
وبحسب منظمة "يش دين" الحقوقية الإسرائيلية، سُجل ما لا يقل عن 170 حادثة عنف منذ أواخر سبتمبر/أيلول، في حين تشير تقارير حقوقية وإعلامية إلى أن الملاحقات القضائية في قضايا اعتداءات المستوطنين لا تزال محدودة.
وكانت صحيفة "إسرائيل هيوم" قد أفادت، قبل أيام، بأن الجيش الإسرائيلي يستعد لتعزيز قواته في الضفة الغربية خلال الأسبوع الجاري، على خلفية ارتفاع حوادث الاحتكاك بالتزامن مع موسم قطف الزيتون واقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
وبذلك، تتزامن الاعتقالات الجديدة مع خلافات معلنة داخل الأجهزة الأمنية بشأن المسؤولية عن منع الاعتداءات، وضغوط دولية متزايدة على الحكومة الإسرائيلية، في وقت تتجه فيه البلاد إلى انتخابات برلمانية بعد أيام قلائل.
المسألة التي لا تزال مفتوحة هي ما إذا كانت اعتقالات اليوم ستقود إلى تقديم لوائح اتهام وإجراءات أمنية أوسع، أم أن الخلافات بين الجيش والشرطة والشاباك، إلى جانب الموقف السياسي الرافض لإعادة الاعتقالات الإدارية، ستستمر في تقييد التعامل مع هذه الاعتداءات.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.



